سيد محمد طنطاوي

325

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

إدراك الشيء وفعله ، ومنه رجل ثقف إذا كان سريع الفهم ، ويقال : ثقفت الرجل في الحرب إذا أدركته وظفرت به . أي : إن يظفر بكم هؤلاء الأعداء - أيها المؤمنون - ويتمكنوا منكم ، يظهروا لكم ما انطوت عليه قلوبهم نحوكم من بغضاء : ولا يكتفون بذلك ، بل يمدون إليكم أيديهم بما يضركم ، وألسنتهم مما يؤذيكم . ثم هم بعد كل ذلك يودون ويتمنون أن تصيروا كفارا مثلهم . فأنت ترى أن الآية الكريمة ، قد وضحت أن هؤلاء الكافرين ، قد سلكوا في عداوتهم للمؤمنين كل مسلك ، فهم عند تمكنهم من المؤمنين يظهرون حقدهم القديم ، ويؤذونهم بأيديهم وألسنتهم ، ويتمنون في جميع الأحوال أن يردوهم بعد إيمانهم كافرين . وقال - سبحانه - : * ( ويَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ . . ) * للإشعار بكثرة ما ينزلونه بالمؤمنين من أذى ، إذ التعبير بالبسط يدل على الكثرة والسعة . وقوله : * ( ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ) * معطوف على جملة الشرط والجزاء ، ويكون - سبحانه - قد أخبر عنهم بخبرين : أحدهما : ما تضمنته الجملة الشرطية من عداوتهم للمؤمنين . وثانيهما : تمنيهم ارتدادهم من الإيمان إلى الكفر . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف أورد جواب الشرط مضارعا مثله ، ثم قال : * ( ووَدُّوا ) * بلفظ الماضي ؟ قلت : الماضي وإن كان يجرى في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب . فإن فيه نكتة ، كأنه قيل : وودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم . يعنى : أنهم يريدون ان يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعا ، من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض ، وردكم كفارا . وهذا الرد إلى الكفر أسبق المضار عندهم وأولها ، لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم ، لأنكم بذالون لها دونه . والعدو أهم شيء عنده ، أن يقصد أعز شيء عند صاحبه « 1 » . ثم بين - سبحانه - الآثار السيئة التي تترتب على ضلالهم عن سواء السبيل فقال : * ( لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ . ولا أَوْلادُكُمْ ، يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ . . . ) * .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 513 .