سيد محمد طنطاوي
324
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وهذه الجملة جيء بها على سبيل العتاب والتعجيب ممن في قلبه مودة لهؤلاء الكافرين ، بعد أن بين اللَّه - تعالى - له ، ما يوجب قطع كل صلة بهم . ومفعول * ( تُسِرُّونَ ) * محذوف . أي : ترسلون إليهم أخبار المسلمين سرا ، بسبب مودتكم لهم ؟ وجملة : * ( وأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وما أَعْلَنْتُمْ ) * هي مناط التعجيب ممن يتخذ هؤلاء الأعداء أولياء . أو من يسر إليهم بالمودة ، وهي حالية من فاعل * ( تُلْقُونَ ) * و * ( تُسِرُّونَ ) * . أي : تفعلون ما تفعلون من إلقاء المودة إلى عدوى وعدوكم ، ومن إسراركم بها إليهم والحال أنى أعلم منهم ومنكم بما أخفيتموه في قلوبكم ، وما أعلنتموه ، ومخبر رسولنا صلى اللَّه عليه وسلم بذلك . وما دام الأمر كذلك فكيف أباح بعضكم لنفسه ، أن يطلع عدوى وعدوكم على ما لا يجوز اطلاعه عليه ؟ ! قال الآلوسي : قوله : * ( وأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وما أَعْلَنْتُمْ ) * في موضع الحال و * ( أَعْلَمُ ) * أفعل تفضيل . والمفضل عليه محذوف . أي : منكم . . . و * ( ما ) * موصولة أو مصدرية ، وذكر * ( ما أَعْلَنْتُمْ ) * مع الاستغناء عنه ، للإشارة إلى تساوى العلمين في علمه - عز وجل - . ولذا قدم * ( بِما أَخْفَيْتُمْ ) * . وفي هذه الحال إشارة إلى أنه لا طائل لهم في إسرار المودة إليهم كأنه قيل : تسرون إليهم بالمودة والحال أنى أعلم ما أخفيتم وما أعلنتم ، ومطلع رسولي على ما تسرون ، فأي فائدة وجدوى لكم في الإسرار ؟ « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان سوء عاقبة من يخالف أمره فقال : * ( ومَنْ يَفْعَلْه مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ) * . والضمير في قوله : * ( يَفْعَلْه ) * يعود إلى الاتخاذ المفهوم من قوله * ( لا تَتَّخِذُوا ) * . أي ومن يفعل ذلك الاتخاذ لعدوي وعدوكم أولياء . ويلقى إليهم بالمودة ، فقد أخطأ طريق الحق والصواب . وضل عن الصراط المستقيم . ثم بين - سبحانه - حال هؤلاء الأعداء عندما يتمكنون من المؤمنين فقال : * ( إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً ويَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ ، ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ) * . ومعنى * ( يَثْقَفُوكُمْ ) * يظفروا بكم ، ويدركوا طلبتهم منكم . وأصل الثقف : الحذق في
--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 28 ص 68 .