سيد محمد طنطاوي
309
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويقول : ومَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَلْ لَه مَخْرَجاً ويَرْزُقْه مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ . ويقول - سبحانه - : الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ . ويقول - عز وجل - : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ ونَهَرٍ ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ . وبعد هذا الأمر المؤكد بالتقوى ، جاء النهى عن التشبه بمن خلت قلوبهم من التقوى ، فقال - تعالى - : * ( ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّه فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ . . . ) * . أي : تمسكوا - أيها المؤمنون - بتقوى اللَّه - تعالى - ومراقبته والبعد عن كل مالا يرضيه . واحذروا أن تكونوا كأولئك الذين تركوا التكاليف التي كلفهم اللَّه - تعالى - بها ، فتركهم - سبحانه - إلى أنفسهم ، بأن جعلهم ناسين لها ، فلم يسعوا إلى ما ينفعها ، بل سعوا فيما يضرها ويرديها . فالمراد بالنسيان هنا : الترك والإهمال ، والكلام على حذف مضاف . أي : نسوا حقوق اللَّه - تعالى - وما أوجب عليهم من تكاليف . والفاء في قوله : * ( فَأَنْساهُمْ ) * للسببية ، أي : أن نسيانهم لما يجب عليهم نحو أنفسهم من تهذيب وتأديب . . كان سببه نسيانهم لما يجب عليهم نحو خالقهم من طاعته وخشيته . ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم فقال : * ( أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) * أي : أولئك الذين تركوا ما يجب عليهم نحو خالقهم ونحو أنفسهم ، هم الفاسقون عن أمره ، الخارجون على شريعته ودينه ، الخالدون يوم القيامة في العذاب المهين . ثم حذر - سبحانه - المؤمنين من نسيان طاعته ، وخشيته بأسلوب آخر فقال : * ( لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وأَصْحابُ الْجَنَّةِ ، أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ . . . ) * . أي : لا يستوي في حكم اللَّه - تعالى - وفي جزائه * ( أَصْحابُ النَّارِ ) * الذين استحقوا الخلود فيها * ( وأَصْحابُ الْجَنَّةِ ) * الذين ظفروا برضوانه - تعالى - بسبب إيمانهم وعملهم الصالح . . * ( أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ ) * بالسعادة التي ليس بعدها سعادة ، وبالنعيم الذي لا يقاربه نعيم . وقال - سبحانه - : * ( لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وأَصْحابُ الْجَنَّةِ . . . ) * بدون بيان مالا يستويان فيه ، للإشعار بالبون الشاسع بين الفريقين ، في سلوكهم وفي أعمالهم ، وفي تفكيرهم ، وفي نظرتهم إلى الحياة ، وفي العاقبة التي ينتهى إليها كل فريق . . . قال صاحب الكشاف : هذا تنبيه للناس ، وإيذان لهم بأنهم لفرط غفلتهم ، وقلة فكرهم في العاقبة ، وتهالكهم على إيثار العاجلة ، واتباع الشهوات : كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة