سيد محمد طنطاوي

310

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والنار ، والبون العظيم بين أصحابهما ، وأن الفوز مع أصحاب الجنة ، فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه ، كما تقول لمن يعق أباه ، هو أبوك ، تجعله بمنزلة من لا يعرفه ، فتنبهه بذلك على حق الأبوة ، الذي يقتضى البر والتعطف . . « 1 » . ومن الآيات الكثيرة التي تشبه هذه الآية في معناها ، قوله - تعالى - : وما يَسْتَوِي الأَعْمى والْبَصِيرُ ، والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، ولَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ « 2 » . ثم نوه - سبحانه - بشأن القرآن الكريم ، المشتمل على ألوان من الهدايات والمواعظ ، والآداب والأحكام ، التي في اتباعها سعادة الناس وفوزهم فقال : * ( لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ، لَرَأَيْتَه خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّه . . . ) * . والمراد بالجبل : حقيقته والكلام على سبيل الفرض والتقدير ، واختير الجبل ، لأنه أشد الأشياء صلابة ، وقلة تأثر بما ينزل به . أي : لو أنزلنا - على سبل الفرض والتقدير - هذا القرآن العظيم الشأن على جبل من الجبال العالية الشامخة الصلبة وخاطبناه به . . لرأيت - أيها العاقل - هذا الجبل الذي هو مثال في الشدة والغلظة والضخامة وعدم التأثر . لرأيته * ( خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّه ) * . أي : لرأيته متذللا متشققا من شدة خوفه من اللَّه - تعالى - ومن خشيته . قال الآلوسي : وهذا تمثيل لعلو شأن القرآن ، وقوة تأثيره ، والغرض - من هذه الآية - توبيخ الإنسان على قسوة قلبه ، وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن الكريم ، وتدبر ما فيه من القوارع ، وهو الذي لو أنزل على جبل - وقد ركب فيه العقل - لخشع وتصدع . ويشير إلى كونه تمثيلا ، قوله - تعالى - : * ( وتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) * « 3 » . أي : وتلك الأمثال الباهرة التي اشتمل عليها هذا القرآن العظيم ، نضربها ونسوقها للناس ، لكي يتفكروا فيها ، ويعملوا بما تقتضيه من توجيهات حكيمة ومن مواعظ سديدة ، ومن إرشادات نافعة . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالثناء على ذاته - تعالى - وببيان بعض أسمائه الحسنى فقال - تعالى - :

--> ( 1 ) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 508 . ( 2 ) سورة غافر الآية 58 . ( 3 ) راجع تفسير الآلوسي ج 27 ص 62 .