سيد محمد طنطاوي

302

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال الآلوسي : قوله - تعالى - : * ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا . . . ) * حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة وتعجب منها بعد حكاية محاسن أحوال المؤمنين على اختلف طبقاتهم ، والخطاب لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب . والآية - كما روى عن ابن عباس - نزلت في رهط من بنى عوف منهم عبد اللَّه بن أبي بن سلول . . . بعثوا إلى بنى النضير بما تضمنته الجمل المحكية ، بقوله - تعالى - : * ( يَقُولُونَ لإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ . . . ) * « 1 » . والمراد بالأخوة في قوله - سبحانه - : * ( يَقُولُونَ لإِخْوانِهِمُ ) * : أخوة في الكفر والفسوق والعصيان . . . والمعنى : ألم يصل إلى علمك - أيها الرسول الكريم - حال أولئك المنافقين الذين أظهروا الإسلام ، وأبطنوا الكفر ، وهم يقولون لإخوانهم في الكفر من أهل الكتاب ، وهم : يهود بنى النضير ، أثناء محاصرتكم - أيها المؤمنون - لهم . يقولون لهم : « واللَّه لئن أخرجتم » من دياركم * ( لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ) * أي : لنخرجن من ديارنا معكم ، لنكون مصاحبين لكم حيثما سرتم . ويقولون لهم : - أيضا - * ( ولا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً . . . ) * أي : ولا نطيع في شأنكم أحدا أبدا ، يريد العدوان عليكم ، أو يريد منعنا من الخروج معكم ومؤازرتكم . . ويقولون لهم - كذلك - : * ( وإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ) * أي : وإن قاتلكم المسلمون ، لنقفن إلى جواركم ، ولنقدمن العون الذي يؤدى إلى نصركم . وقوله - سبحانه - : * ( واللَّه يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) * رد عليهم ، وإبطال لمزاعمهم . أي : واللَّه - تعالى - يشهد بأن هؤلاء المنافقين لكاذبون في أقوالهم ، وفي عهودهم . . ثم أبطل - سبحانه - أقوالهم بصورة أكثر تفصيلا فقال : * ( لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ، ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ ، ولَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ) * .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 28 ص 56 .