سيد محمد طنطاوي

303

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : واللَّه لئن أخرج المؤمنون اليهود من ديارهم ، فإن هؤلاء المنافقين لا يخرجون معهم ، ولئن قاتل المؤمنون اليهود ، فإن المنافقين لن ينصروا اليهود ، ولئن نصروهم - على سبيل الفرض والتقدير - ليولين المنافقون الأدبار فرارا منكم - أيها المؤمنون - ، ثم لا ينصرون بعد ذلك ، لا هم ولا من قاموا بنصرهم ، لأن الفريقين اجتمعوا على الباطل واتحدت قلوبهم في الجبن والخور والحرص على الحياة . . فأنت ترى أن هاتين الآيتين الكريمتين ، قد وصفتا المنافقين ، بالكفر والعصيان . وبالتحالف مع كل محارب للدعوة الإسلامية ، وبنقض العهود ، وخلف الوعود ، وبالجبن الخالع ، والكذب الواضح . . . وقد تحقق ما أخبرت عنه الآيتان عن هؤلاء المنافقين . فإن يهود بنى النضير عندما جد الجد ، وحالت ساعة رحيلهم . . أرسلوا إلى المنافقين يطلبون عونهم ، فما كان من المنافقين إلا أن خذلوهم ، وتحللوا من وعودهم لهم . . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قيل : * ( ولَئِنْ نَصَرُوهُمْ . . ) * يعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم ؟ قلت : معناه ، ولئن نصروهم على سبيل الفرض والتقدير . . كقوله لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وكما يعلم - سبحانه - ما يكون فهو يعلم ما لا يكون . والمعنى : ولئن نصر المنافقون اليهود لينهزمن المنافقون ثم لا ينصرون بعد ذلك . أي يهلكهم اللَّه - تعالى - ولا ينفعهم نفاقهم ، لظهور كفرهم ، أو لينهزمن اليهود ثم لا ينفعهم نصر المنافقين لهم . وفيه دليل على صحة النبوة لأنه إخبار بالغيب . . « 1 » . وبعد أن بشر اللَّه - تعالى - المؤمنين بهزيمة أعدائهم أمامهم ، أتبع ذلك ببشارة أخرى ، وهي أن هؤلاء المنافقين وإخوانهم في الكفر ، يخشون المؤمنين خشية شديدة ، فقال - سبحانه - : * ( لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّه . . . ) * . والرهبة : مصدر رهب ، بمعنى خاف ، يقال : رهب فلان فلانا ، إذا خافه خوفا شديدا من داخل نفسه . . أي : لأنتم - أيها المؤمنون - أشد خوفا في نفوس هؤلاء المنافقين واليهود ، من ربهم الذي خلقهم وأوجدهم .

--> ( 1 ) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 58 .