سيد محمد طنطاوي

287

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والإهلاك في الدنيا ، فلن ينجوا في الآخرة من العذاب الذي يذلهم ويهينهم ، بل سيحل بهم عذاب مقيم ، لا فكاك لهم منه . واسم الإشارة في قوله - تعالى - * ( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّه ورَسُولَه ) * يعود إلى ما نزل وسينزل بهم من عذاب . وقوله - تعالى - : * ( شَاقُّوا ) * من المشاقة بمعنى المعاداة والمخاصمة ، حتى لكأن كل واحد من المتخاصمين في شق ومكان يخالف شق صاحبه ومكانه . أي : ذلك الذي حل بهم في الدنيا من عقاب ، والذي سيحل بهم في الآخرة من عذاب ، سببه أن هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب ، عادوا اللَّه - تعالى - وخالفوا دعوة رسوله صلى اللَّه عليه وسلم . * ( ومَنْ يُشَاقِّ اللَّه ) * بأن يخالف ما أمر به ، أو نهى عنه . يعذبه اللَّه - تعالى - ويخذله ، فإنه - سبحانه - شديد العقاب . وجملة * ( فَإِنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقابِ ) * قائمة مقام جواب الشرط ، أي : ومن يخالف أمر اللَّه - تعالى - عذبه ، فإنه - سبحانه - شديد العقاب ، لمن أعرض عن طاعته وذكره . ثم ساق - سبحانه - ما يغرس الطمأنينة في قلوب المؤمنين ، الذين اشتركوا في تخريب ديار بنى النضير ، وفي قطع نخيلهم ، فقال - تعالى - : * ( ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّه ولِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ) * . و « ما » شرطية في موضع نصب ، بقوله : * ( قَطَعْتُمْ ) * وقوله : * ( مِنْ لِينَةٍ ) * بيان لها . . وقوله : * ( فَبِإِذْنِ اللَّه ) * جزاء الشرط . واللام في قوله - تعالى - : * ( ولِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ) * متعلقة بمحذوف . واللينة : واحدة اللين ، وهو النخل كله ، أو كرام النخل فقط . قال الآلوسي ما ملخصه : اللينة هي النخلة مطلقا . . وهي فعلة من اللَّون ، وياؤها مقلوبة عن واو لكسر ما قبلها - فأصل لينة : لونة . . . وقيل : اللينة : النخلة مطلقا . . وقيل : هي النخلة القصيرة ، وقيل : الكريمة من النخل . . ويمكن أن يقال : أراد باللينة النخلة الكريمة . . . « 1 » . وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن المسلمين عندما أخذوا في تقطيع نخيل

--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 28 ص 43 .