سيد محمد طنطاوي
288
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
اليهود ، قال اليهود للنبي صلى اللَّه عليه وسلم : يا محمد إنك تنهى عن الفساد ، فما بالك تأمر بقطع النخيل ؟ فأنزل اللَّه هذه الآية . وقيل : إن المسلمين بعد أن قطعوا بعض النخيل ، ظنوا أنهم قد أخطئوا في ذلك ، فقالوا : لنسألن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فنزلت هذه الآية . وقيل : إن المسلمين نهى بعضهم بعضا عن قطع النخيل ، وقالوا إنما هي مغانم المسلمين ، فنزلت هذه الآية لتصديق من نهى عن القطع ، وتحليل من قطع من الإثم . والمعنى : لا تختلفوا - أيها المؤمنون - في شأن ما فعلتموه بنخيل بنى النضير ، فإن الذي قطع شيئا من هذه النخيل لا إثم عليه ، والذي لم يقطع لا إثم عليه - أيضا - لأن كلا الأمرين بإذن اللَّه - تعالى - ورضاه ، وفي كليهما مصلحة لكم . لأن من قطع يكون قد فعل ما يغيظ العدو ويذله ، ويحمله على الاستسلام والخضوع لأمركم . . ومن ترك يكون قد فعل ما يعود بالخير عليكم ، لأن تلك النخيل الباقية ، منفعتها ستئول إليكم . . . وقد شرع - سبحانه - لكم كلا الأمرين في هذا المقام * ( ولِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ) * عن أمره ، وهم يهود بنى النضير ، ومن ناصرهم ، وأيدهم ، وسار على طريقتهم في الخيانة والغدر . فالآية الكريمة المقصود بها : إدخال المسرة والبهجة في قلوب المؤمنين ، حتى لا يتأثروا بما حدث منهم بالنسبة لنخيل بنى النضير ، وحتى يتركوا الخلاف في شأن هذه المسألة ، بعد أن صدر حكم اللَّه - تعالى - فيها ، وهو أن القطع والترك بإذنه ورضاه ، لأن كلا الأمرين يغرس الحسرة في قلوب الأعداء . . وعبر - سبحانه - باللينة عن النخلة ، لأن لفظ « لينة » أخف لفظا ، وأدخل في كونها نخلة من كرام النخل . وقال - سبحانه - : * ( أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها ) * لتصوير هيئتها وحسنها وأن فروعها قد بقيت قائمة على أصولها ، التي هي جذورها وجذوعها . قال الآلوسي : وقوله : * ( ولِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ) * متعلق بمقدر على أنه علة له ، وذلك المقدر عطف على مقدر آخر . أي : ليعز المؤمنين ، وليخزي الفاسقين أي : ليذلهم . . والمراد بالفاسقين : أولئك الذين كفروا من أهل الكتاب . ووضع الظاهر موضع المضمر ،