سيد محمد طنطاوي
265
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فإنهم إذا علموا أن قرب الأغنياء من الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ومناجاتهم له ، تسبقها الصدقة ، لم يضجروا . ومنها : عدم شغل الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بما لا يكون مهما من الأمور ، فيتفرغ للرسالة . فإن الناس وقد جبلوا على الشح بالمال ، يقتصدون في المناجاة التي تسبقها الصدقة . ومنها : تمييز محب الدنيا من محب الآخرة ، فإن المال محك الدواعي « 1 » . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر لطفه بعباده فقال : * ( أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ) * . الإشفاق معناه : أن يتوقع الإنسان عدم حصوله على ما يريده والمراد به هنا : الخوف . والاستفهام مستعمل فيما يشبه اللوم والعتاب ، لتخلف بعضهم عن مناجاة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بسبب تقديم الصدقة . و « إذ » في قوله : * ( فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا ) * ظرفية مفيدة للتعليل . والمعنى : أخفتم - أيها المؤمنون - أن تقدموا قبل مناجاتكم للرسول صلى اللَّه عليه وسلم صدقة فيصيبكم بسبب ذلك الفقر ، إذا ما واظبتم على ذلك . * ( فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّه عَلَيْكُمْ ) * أي : فحين لم تفعلوا ما كلفناكم به من تقديم الصدقة قبل مناجاتكم للرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، وتاب اللَّه - تعالى - عليكم ، بأن رخص لكم في هذه المناجاة بدون تقديم صدقة ، وخفف عنكم ما كان قد كلفكم به - سبحانه - والفاء في قوله : * ( فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ . وآتُوا الزَّكاةَ ، وأَطِيعُوا اللَّه ورَسُولَه ) * معطوفة على كلام محذوف . أي : فحين خففنا عنكم الصدقة - بفضلنا ورحمتنا - فداوموا على إقامة الصلاة ، وعلى إعطاء الزكاة لمستحقيها ، وأطيعوا اللَّه ورسوله ، في كل ما أمركم به أو نهاكم عنه . واعلموا أن اللَّه - تعالى - خبير بما تعملون ، ولا يخفى عليه شيء من أقوالكم أو أفعالكم ، وسيجازى الذين أساؤا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى . وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية ناسخة للتي قبلها ، لأنها أسقطت وجوب تقديم الصدقة الذي أمرت به الآية السابقة . وقد لخص الإمام الآلوسي كلام العلماء في هذه المسألة تلخيصا حسنا فقال : « واختلف في أن الأمر للندب أو للوجوب ، لكنه نسخ بقوله - تعالى - : * ( أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا . . . ) *
--> ( 1 ) تفسير آيات الأحكام ج 4 ص 131 للشيخ محمد على السائس .