سيد محمد طنطاوي
266
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وهو وإن كان متصلا به تلاوة ، لكنه غير متصل به نزولا . وقيل نسخ بآية الزكاة . والمعول عليه الأول . ولم يعين مقدار الصدقة ، ليجزئ القليل والكثير . أخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب قال : لما نزلت * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً . . . ) * . قال لي النبي : صلى اللَّه عليه وسلم : « ما ترى في دينار » قلت : لا يطيقونه قال : « نصف دينار » قلت : لا يطيقونه ، قال : « فكم » ؟ قلت : شعيرة . قال : « فإنك لزهيد » . فلما نزلت : * ( أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا . . . ) * قال صلى اللَّه عليه وسلم : « خفف اللَّه عن هذه الأمة » ولم يعمل بها - على المشهور - غير على - كرم اللَّه وجهه . واختلف في مدة بقاء هذا الأمر . أي : الأمر بتقديم الصدقة : فعن مقاتل : عشرة أيام . وقال قتادة : ساعة من نهار . . . « 1 » . قال بعض العلماء : « والآية الناسخة متأخرة في النزول ، وإن كانت تالية للآية المنسوخة في التلاوة . والظاهر - واللَّه أعلم - أن الحادثة من باب الابتلاء والامتحان ، ليظهر للناس محب الدنيا من محب الآخرة ، واللَّه بكل شيء عليم » « 2 » . وقال أحد العلماء : « ولا يشتم من قوله - تعالى - : * ( أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ . . . ) * . أن الصحابة قد وقع منهم تقصير . فإن التقصير إنما يكون إذا ثبت أنه كانت هناك مناجاة لم تصحبها صدقة ، والآية قالت : * ( فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا ) * أي : ما أمرتم به من الصدقة ، وقد يكون عدم الفعل ، لأنهم لم يناجوا ، فلا يكون عدم الفعل تقصيرا . وأما التعبير بالإشفاق من جانبهم ، فلا يدل على تقصيرهم ، فقد يكون اللَّه - تعالى - علم - أن كثيرا منهم استكثر التصدق عند كل مناجاة في المستقبل لو دام الوجوب ، فقال اللَّه - تعالى - لهم * ( أَأَشْفَقْتُمْ ) * . وكذلك ليس في قوله * ( وتابَ اللَّه عَلَيْكُمْ ) * ما يدل على أنهم قصروا ، فإنه يحمل على أن المعنى أنه تاب عليهم برفع التكليف عنهم تخفيفا ، ومثل هذا يجوز أن يعبر عنه بالتوبة . . . » « 3 » .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 28 ص 31 . ( 2 ) صفوت البيان ج 2 ص 412 لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف . ( 3 ) راجع تفسير آيات الأحكام ج 4 ص 133 .