سيد محمد طنطاوي
256
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم عجّب اللَّه - تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم من حال قوم يؤثرون الغي على الرشد ، وينصحون فلا يستجيبون للنصيحة ، وينهون عن الشرور فيأبون إلا الانغماس فيها ، فقال - تعالى - : * ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْه ، ويَتَناجَوْنَ بِالإِثْمِ والْعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ) * . قال الآلوسي : قال ابن عباس : نزلت في اليهود والمنافقين ، كانوا يتناجون دون المؤمنين ، وينظرون إليهم ويتغامزون بأعينهم عليهم ، يوهمونهم عند أقاربهم أنهم أصابهم شر ، فلما كثر ذلك منهم . شكا المؤمنون إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فنهاهم عن التناجي دون المؤمنين ، فعادوا لمثل فعلهم . والخطاب للرسول صلى اللَّه عليه وسلم والهمزة للتعجب من حالهم ، وصيغة المضارع للدلالة على تكرار فعلهم ، وتجدده ، واستحضار صورته الغريبة « 1 » . والمعنى : إن شئت أن تعجب - أيها الرسول الكريم - فاعجب من حال هؤلاء اليهود والمنافقين الذين نهيتهم أنت عن التناجي فيما بينهم ، بما يقلق المؤمنين ويغيظهم . . . ولكنهم لم يستجيبوا لنصحك ونهيك ، بل استمروا على تناجيهم بما هو إثم وعدوان ومعصية لك ، ولما جئتهم به من عند اللَّه - تعالى - . وعبر بقوله - تعالى - : * ( ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْه ) * للإشعار بأنهم قوم لا تؤثر فيهم النصائح وإنما هم يستمعون إليها ، ثم يهجرون العمل بها . ويعودون إلى فجورهم وفسقهم . ووصف تناجيهم بأنه كان مشتملا على الإثم والعدوان ومعصية الرسول ، لا على الإثم فقط أو على العدوان فقط . . لبيان أن تناجيهم مشتمل على كل أنواع السوء والفحشاء ، فهم يتناجون بكلام هو إثم وشر في ذاته ، وبأقوال مشتملة على ظلم المؤمنين والاعتداء على دينهم وعلى أعراضهم ، وبأفعال هي معصية للرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، لأنهم لم يستجيبوا لنهيه إياهم عن المناجاة بما يؤذى المؤمنين ويحزنهم . . بل استمروا في طغيانهم يعمهون . والباء في قوله : * ( بِالإِثْمِ ) * للملابسة ، أي يتناجون متلبسين بالإثم وبالعدوان وبمعصية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم . ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين ومن لف لفهم من اليهود ، لم يكتفوا بتلك المناجاة القبيحة التي كانوا يديرونها فيما بينهم ، لإغاظة المؤمنين ، بل أضافوا إلى ذلك النطق أمام الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بالكلام السيئ وبالعبارات التي تدل على سوء طويتهم ، فقال - تعالى - :
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 28 ص 25 .