سيد محمد طنطاوي
257
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( وإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِه اللَّه ) * . أي : وإذا جاء هؤلاء المنافقون واليهود إلى مجلسك - أيها الرسول الكريم - ألقوا إليك بتحية ، هذه التحية لم يأذن بها اللَّه - تعالى - ولم يخاطبك بها . وقد كان المنافقون عندما يدخلون على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لا يقولون له كلمة : « السلام عليكم » - وهي تحية الإسلام ، إنما يقولون له : أنعم صباحا أو مساء . . متجنبين النطق بتحية الإسلام ، ومستعملين تحية الجاهلية . روى الشيخان عن عائشة : أن ناسا من اليهود ، دخلوا على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقالوا : السام - أي : الموت - عليك يا أبا القاسم . فقال صلى اللَّه عليه وسلم « وعليكم » . قالت عائشة : وقلت : عليكم السام ولعنكم اللَّه وغضب عليكم . فقال صلى اللَّه عليه وسلم يا عائشة إن اللَّه لا يحب الفاحش والمتفحش . فقلت : ألا تسمعهم يقولون : السام ؟ فقال صلى اللَّه عليه وسلم « أو سمعت قولي : عليكم » فأنزل اللَّه - تعالى - * ( وإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِه اللَّه ) * « 1 » . ثم بين - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة فقال : * ( ويَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّه بِما نَقُولُ ) * . والمراد بأنفسهم هنا : أي فيما بينهم وفي مجامعهم ، أو فيما بينهم وبين أنفسهم . أي : إذا جاءك هؤلاء المنافقون ومن على شاكلتهم في الضلال ، نطقوا أمامك بتحية لم يحيك بها اللَّه - تعالى - ولا يكتفون بذلك ، بل يقولون فيما بينهم على سبيل التباهي والجحود للحق * ( لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّه بِما نَقُولُ ) * أي : هلا يعذبنا اللَّه بسبب ما قلناه لو كان محمد صلى اللَّه عليه وسلم رسولا من عنده - تعالى - أي : أنهم ينكرون نبوته صلى اللَّه عليه وسلم لأنها - في زعمهم لو كانت حقا ، لعذبهم اللَّه - تعالى - بسبب إساءتهم إليه ، وإعراضهم عن نهيه لهم . وقد رد اللَّه - تعالى - عليهم بما يكبتهم ، وبما يسلى نبيه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) * . أي : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لمسالك هؤلاء المنافقين معك ومع أصحابك ، فإن هؤلاء المنافقين ومن لف لفهم ، كافيهم من العذاب جهنم يصلونها ويقاسون حرها ، فبئس المصير جهنم لو كانوا يعلمون .
--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 28 ص 26 .