سيد محمد طنطاوي

235

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الأجر : أحدهما للإيمان بالرسول صلى اللَّه عليه وسلم والثاني للإيمان - بعيسى - عليه السلام - الذي نسخت شريعته بالشريعة المحمدية . وقوله - سبحانه - : * ( لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّه . . . ) * رد على مزاعم أهل الكتاب أنهم شعب اللَّه المختار ، وأنهم أفضل من الأمة الإسلامية . قال الجمل ما ملخصه : لما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله - تعالى - أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا . . . قالوا للمسلمين : أما من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه بكتابنا وكتباكم . ومن لم يؤمن منا بكتابكم فله أجر كأجركم ، فبأي شيء فضلتم علينا ؟ فأنزل اللَّه هذه الآية . ولا زائدة ، واللام متعلقة بمحذوف ، هو معنى الجملة الطلبية المتضمنة لمعنى الشرط ، إذ التقدير : إن تتقوا وتؤمنوا برسوله ، يؤتكم اللَّه من فضله كذا وكذا - وقد أعلمناكم بذلك - لكي يعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على شيء من فضل اللَّه . أي : أنهم لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله . . كالكفلين من رحمته وكمغفرة الذنوب - لأنهم لم يؤمنوا برسوله صلى اللَّه عليه وسلم ولم يخلصوا العبادة له - عز وجل - . . « 1 » . وقوله - سبحانه - * ( وأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشاءُ واللَّه ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) * مؤكد لما قبله ، ومقرر له . أي : ليعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على الظفر بشيء من فضل اللَّه إلا إذا آمنوا باللَّه ورسله . . وليعلموا - أيضا - أن الفضل والعطاء بيد اللَّه - تعالى - وحده ، يمنحه لمن يشاء ويختار من عباده ، وهو - سبحانه - صاحب الفضل الواسع العظيم . وعلى هذا التفسير الذي سرنا عليه يكون المقصود من الآيتين تحريض المؤمنين من هذه الأمة على الثبات على تقوى اللَّه - تعالى - واتباع رسوله صلى اللَّه عليه وسلم في كل ما جاء به ، وتبشيرهم بالعطاء الجزيل إذا ما فعلوا ذلك . والرد على المتفاخرين من أهل الكتاب ، الذين زعموا أنهم أبناء اللَّه وأحباؤه ، وأنهم ليس أحد أفضل منهم ، وأن الأجر ثابت لهم سواء آمنوا بالرسول صلى اللَّه عليه وسلم أم استمروا على كفرهم . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين : لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 298 .