سيد محمد طنطاوي

236

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

مرتين ، أنزل اللَّه هذه الآية * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه وآمِنُوا بِرَسُولِه . . . ) * في حق هذه الأمة . وهي كقوله - تعالى - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّه يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ويُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ، ويَغْفِرْ لَكُمْ ، واللَّه ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . ومما يؤيد هذا القول - أي : أن هذه الآية في حق هذه الأمة - ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالا فقال : من يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط ؟ ألا فعملت اليهود . ثم قال : من يعمل لي من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ؟ ألا فعملت النصارى . ثم قال : من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين ؟ ألا فأنتم الذين عملتم فغضبت النصارى واليهود ، وقالوا : نحن أكثر عملا وأقل عطاء . قال : هل ظلمتكم من أجركم شيئا ، قالوا لا : قال فإنما هو فضلي أوتيه من أشاء « 1 » . ويرى بعض المفسرين أن الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب ، فيكون المعنى : يا من آمنتم بموسى وبعيسى وبمحمد - عليهم الصلاة والسلام - اتقوا اللَّه وآمنوا برسوله صلى اللَّه عليه وسلم واثبتوا على ذلك ، يؤتكم اللَّه - تعالى - كفلين من رحمته . وليعلم الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب ، أنهم لن ينالوا شيئا مما ناله المؤمنون منهم . ومن المفسرين الذين ساروا على هذا التفسير الإمام ابن جرير ، فقد قال - رحمه اللَّه - عند تفسيره لهذه الآية : يقول - تعالى ذكره - : يا أيها الذين صدقوا اللَّه ورسوله من أهل الكتابين : التوراة والإنجيل ، خافوا اللَّه ، وآمنوا برسوله محمد صلى اللَّه عليه وسلم يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم . . أي : يؤتكم أجرين لإيمانكم بعيسى وبمحمد - عليهما الصلاة والسلام - « 2 » . ويبدو لنا أن الخطاب في هذه الآية للمؤمنين من هذه الأمة ، على سبيل الحض والتبشير ، وأن قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّه . . . ) * واضح في ذلك ، وان جعل الخطاب لمؤمني أهل الكتاب لا دليل عليه .

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 267 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 27 ص 242 .