سيد محمد طنطاوي

233

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

رعايتها ، بعض الطوائف التي ابتدعتها ، وذلك لأن اللَّه - تعالى - قد أخبر أنه آتى الذين آمنوا منهم أجرهم ، فدل ذلك على أن منهم من قد رعاها حق رعايتها . وكثير منهم - أي : من الذين ابتدعوا الرهبانية - أهل معاص ، وخروج عن طاعة اللَّه - تعالى - وعن الإيمان به « 1 » . وقال الإمام الآلوسي ما ملخصه : وقوله - تعالى - * ( ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ ) * جملة مستأنفة . وقوله - سبحانه - : * ( إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّه ) * استثناء منقطع ، أي : ما فرضناها نحن عليهم رأسا ، ولكن ابتدعوها وألزموا بها أنفسهم ابتغاء رضوان اللَّه . وقوله - تعالى - : * ( فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها ) * أي : ما حافظوا عليها حق المحافظة ، ذم لهم من حيث إن ذلك كالنذر ، وهو عهد مع اللَّه - تعالى - يجب رعايته ، لا سيما إذا قصد به رضاه - عز وجل . وجائز أن يكون الاستثناء متصلا من أعم العلل . أي : ما قضيناها عليهم لشيء من الأشياء ، إلا ليبتغوا بها رضوان اللَّه ، ويستحقوا بها الثواب ، ومن ضرورة ذلك أن يحافظوا عليها . . إلا أنهم لم يحافظوا عليها ، ولم يرعوها حق رعايتها . والفرق بين الوجهين : أن الأول يقتضى أنهم لم يؤمروا بها أصلا ، وأن الثاني يقتضى أنهم أمروا بها ، لابتغاء رضوان اللَّه ، فما رعوها حق رعايتها . والظاهر أن الضمير في قوله * ( فَما رَعَوْها ) * يعود لأولئك الذين ابتدعوا الرهبانية ، والمراد نفى وقوع الرعاية من جميعهم ، أي : فما رعاها كلهم بل بعضهم « 2 » . فالآية الكريمة تثنى على الذين أحسنوا اتباع عيسى - عليه السلام - فطهروا أرواحهم من كل دنس ، وزهدوا في متع الحياة الدنيا . . وتذم الذين بدلوا ما جاء به عيسى - عليه السلام - وقالوا الأقوال الباطلة في شأنه ، وفعلوا الأفعال القبيحة التي تغضب اللَّه - تعالى - : ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذا النداء للمؤمنين فقال - تعالى :

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن جرير ج 27 ص 238 . ( 2 ) راجع تفسير الآلوسي ج 27 ص 191 .