سيد محمد طنطاوي
223
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
[ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 22 إلى 24 ] ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ ولا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيرٌ ( 22 ) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ واللَّه لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 23 ) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ومَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّه هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 24 ) و * ( ما ) * في قوله - تعالى - * ( ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ ) * نافية ، و * ( مِنْ ) * مزيدة لتأكيد هذا النفي وإفادة عمومه . ومفعول « أصاب » محذوف . وقوله * ( فِي الأَرْضِ ) * ، إشارة إلى المصائب التي تقع فيها من فقر وقحط ، وزلازل . وقوله : * ( ولا فِي أَنْفُسِكُمْ ) * للإشارة إلى ما يصيب الإنسان في ذاته ، كالأمراض ، والهموم . والاستثناء في قوله - تعالى - * ( إِلَّا فِي كِتابٍ ) * من أعم الأحوال ، والمراد بالكتاب : اللوح المحفوظ ، أو علمه - عز وجل - الشامل لكل شيء . وقوله : * ( نَبْرَأَها ) * من البرء - بفتح الباء - بمعنى الخلق والإيجاد ، والضمير فيه يعود إلى النفس ، أو إلى الأرض ، أو إلى جميع ما ذكره اللَّه - تعالى - من خلق المصائب في الأرض والأنفس . والمعنى : واعلموا - أيها المؤمنون علما يترتب عليه آثاره من العمل الصالح - أنه ما أصابكم أو ما أصاب أحدا مصيبة ، هذه المصيبة كائنة في الأرض - كالقحط والزلازل - أو في أنفسكم - كالأسقام والأوجاع - إلا وهذه المصائب مسجلة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . . . وهذا التسجيل كائن من قبل أن نخلق هذه الأنفس ، وهذه المصائب . وكرر - سبحانه - حرف النفي في قوله * ( ولا فِي أَنْفُسِكُمْ ) * للإيماء إلى أن المصائب التي تتعلق بذات الإنسان ، يكون أشد تأثرا واهتماما بها ، أكثر من غيرها . واسم الإشارة في قوله : * ( إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيرٌ ) * يعود إلى الكتابة في الكتاب . أي : إن ذلك الذي أثبتناه في لوحنا المحفوظ وفي علمنا الشامل لكل شيء . . قبل أن نخلقكم ، وقبل أن نخلق الأرض . . يسير وسهل علينا ، لأن قدرتنا لا يعجزها شيء ، وعلمنا لا يعزب عنه شيء .