سيد محمد طنطاوي
224
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فالآية الكريمة صريحة في بيان أن ما يقع في الأرض وفي الأنفس من مصائب - ومن غيرها من مسرات - مكتوب ومسجل عند اللَّه - تعالى - قبل خلق الأرض والأنفس . وخص - سبحانه - المصائب بالذكر ، لأن الإنسان يضطرب لوقوعها اضطرابا شديدا ، وكثيرا ما يكون إحساسه بها ، وإدراكه لأثرها ، أشد من إحساسه وإدراكه للمسرات . ومن الآيات التي تشبه هذه الآية في معناها قوله - تعالى - : قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّه لَنا ، هُوَ مَوْلانا وعَلَى اللَّه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ « 1 » . ثم بين - سبحانه - الحكم التي من أجلها فعل ذلك فقال : * ( لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ ، ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ) * . فاللام في قوله : * ( لِكَيْلا تَأْسَوْا . . ) * متعلقة بمحذوف . وقوله : * ( تَأْسَوْا ) * من الأسى ، وهو الحزن والضيق الشديد . يقال : أسى فلان على كذا - كفرح - فهو يأسى أسى ، إذا حزن واغتم لما حدث ، ومنه قوله - تعالى - حكاية عن شعيب - عليه السلام - : فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ ، فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ « 2 » . أي : فعلنا ما فعلنا من إثبات ما يصيبكم في كتاب من قبل خلقكم ، وأخبرناكم بذلك ، لكي لا تحزنوا على ما أصابكم من مصائب حزنا يؤدى بكم إلى الجزع ، وإلى عدم الرضا بقضاء اللَّه وقدره ولكي لا تفرحوا بما أعطاكم اللَّه - تعالى - من نعم عظمى وكثيرة . . فرحا يؤدى بكم إلى الطغيان وإلى عدم استعمال نعم اللَّه - تعالى - فيما خلقت له . . فإن من علم ذلك علما مصحوبا بالتدبر والاتعاظ . . . هانت عليه المصائب ، واطمأنت نفسه لما قضاه اللَّه - تعالى - وكان عند الشدائد صبورا ، وعند المسرات شكورا . ورحم اللَّه صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : يعنى : أنكم إذا علمتم أن كل شيء مقدر مكتوب عند اللَّه ، قلّ أساكم على الفائت ، وفرحكم على الآتي ، لأن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة ، لم يتفاقم جزعه عند فقده ، لأنه وطن نفسه على ذلك ، وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه ، وأن وصوله لا يفوته بحال ، لم يعظم فرحه عند نيله . فإن قلت : فلا أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به ، ولا عند منفعة ينالها ، أن لا يحزن ولا يفرح ؟
--> ( 1 ) سورة التوبة الآية 51 . ( 2 ) سورة الأعراف الآية 93 .