سيد محمد طنطاوي
213
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( أَلَمْ يَأْنِ ) * للتقرير ، و « يأن » فعل مضارع ، يقال : أنى الشيء - كرمى - أنيا وأناء - بالفتح - وإني - بالكسر - إذا حان أناه ، أي : وقته ، فهو فعل معتل حذفت منه الياء لسبقه بلم الجازمة ، ومنه قوله - تعالى - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناه أي غير ناظرين حلول وقته . والخطاب في الآية يحتمل أن يكون من باب العتاب لطائفة من المؤمنين ، أصابهم بعض الفتور أو التكاسل ، فيما أمروا به من الاجتهاد في طاعة اللَّه - تعالى - بعد أن فتح اللَّه - تعالى - لهم أقطار الأرض ورزقهم بالكثير من لين العيش ، وخيرات الدنيا . ويؤيد هذا ما أخرجه ابن المبارك ، وعبد الرازق ، وابن المنذر عن الأعمش قال : لما قدم أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم المدينة ، فأصابوا من لين العيش ما أصابوا . بعد أن كان لهم من الجهد - وشظف العيش فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه ، فعوتبوا على ذلك فنزلت هذه الآية . ويحتمل أن يكون الخطاب في الآية لجميع المؤمنين ، على سبيل الحض على المداومة على طاعة اللَّه - تعالى - ، والتحذير من التقصير . قال الآلوسي ما ملخصه : قوله - تعالى - : * ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّه ) * . استئناف لعتاب المؤمنين على الفتور والتكاسل فيما ندبوا إليه ، والمعاتب - على ما قاله الزجاج - طائفة منهم ، وإلا فإن من المؤمنين من لم يزل خاشعا منذ أن أسلم إلى أن لقى ربه « 1 » .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 27 ص 179 .