سيد محمد طنطاوي

214

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والخشوع : التذلل والخضوع ، واللام في قوله * ( لِذِكْرِ اللَّه ) * للتعليل ، والمراد بذكر اللَّه - تعالى - : ما يشمل كل قول أو فعل يؤدى إلى الخوف من اللَّه - تعالى - بحيث يظهر أثر ذلك على الجوارح . وقيل : المراد به : القرآن الكريم ، فيكون قوله - تعالى - بعد ذلك * ( وما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ) * من باب عطف الشيء على نفسه ، لاختلاف اللفظين ، كما في قوله - تعالى - : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى . الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى . والمعنى : لقد آن الأوان أن تخشع قلوب المؤمنين لذكر اللَّه - تعالى - وأن تلين قلوبهم لما أنزله - سبحانه - على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم من قرآن ، تقشعر منه جلود الذين يخافون ربهم ، وترق له مشاعرهم ونفوسهم . وبعد هذا التحريض للمؤمنين على المسارعة في طاعة اللَّه - تعالى - وخشيته والإكثار من ذكره : نهاهم - سبحانه - عن التشبه بأهل الكتاب ، الذين طال عليهم الأمد في الانغماس في شهوات الدنيا فقست قلوبهم فقال - تعالى - * ( ولا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ، وكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) * . والمراد بالذين أوتوا الكتاب : اليهود والنصارى ، وبالكتاب : التوراة والإنجيل . والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - : * ( تَخْشَعَ ) * والأمد : الغاية من زمان أو مكان . والمراد به هنا : الزمان الطويل . أي : لقد آن الأوان أن تخشع قلوب الذين آمنوا لذكر اللَّه وما نزل من الحق ، وآن الأوان - أيضا - أن لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبلهم ، حيث طال عليهم الوقت وهم منغمسون في الشهوات والملذات ، فقست قلوبهم ، وصارت لا تتأثر لا بالترغيب ولا بالترهيب ، ولا تفرق بين الحرام والحلال . وأصبح كثير منهم خارجين عن الصراط المستقيم . فأنت ترى الآية الكريمة قد حضت المؤمنين على الركون إلى ذكر اللَّه - تعالى - بشدة ومداومة . . ونهتهم عن التشبه بأهل الكتاب في عدم الخشوع وفي قسوة القلوب ، بسبب استيلاء المطامع والشهوات على قلوبهم . قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله - تعالى - : * ( أَلَمْ يَأْنِ ) * من أنى الأمر إذا جاء أناه أي : وقته . . والآية نهى للمؤمنين عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب ، وذلك أن بني إسرائيل ، كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم ، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا ورقت