سيد محمد طنطاوي

205

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

- تعالى - : * ( ولِلَّه مِيراثُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * على حذف مضاف ، والجملة حال من فاعل * ( أَلَّا تُنْفِقُوا ) * ، أو من مفعوله المعلوم مما تقدم . وإضافة ميراث إلى السماوات والأرض ، من إضافة المصدر إلى المفعول أي : وأي سبب يحملكم على البخل وعدم الإنفاق في سبيل إعلاء كلمة اللَّه ، والحال أن للَّه - تعالى - ميراث أهل السماوات وأهل الأرض . إنه لا عذر لكم في الشح والإمساك بعد أن بينت لكم ما بينت من وجوب الإنفاق في سبيل اللَّه . قال الآلوسي : قوله : * ( ولِلَّه مِيراثُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * أي : يرث كل شيء فيهما ، ولا يبقى لأحد مال ، على أن ميراثهما مجاز أو كناية عن ميراث ما فيهما ، لأن أخذ الظرف يلزمه أخذ المظروف . وجوز أن يراد : يرثهما وما فيهما ، واختير الأول ، لأنه يكفى لتوبيخهم ، إذ لا علاقة لأخذ السماوات والأرض هنا . . والجملة مؤكدة للتوبيخ ، فإن ترك الإنفاق بغير سبب قبيح منكر ، ومع تحقيق ما يوجب الإنفاق أشد في القبح ، وأدخل في الإنكار « 1 » . ثم قال - تعالى - : * ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وقاتَلَ ، أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وقاتَلُوا ) * . والمراد بمن أنفق من قبل الفتح وقاتل : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، الذين أنفقوا الكثير من أموالهم ، قيل فتح مكة . . . وقيل : المراد بالفتح : صلح الحديبية . وإنما كان الذين أنفقوا وقاتلوا قبل هذا الوقت ، أعظم درجة ممن فعل ذلك بعد هذا الوقت ، لأن الأيام التي سبقت الفتح تعرض المسلمون خلالها لكثير من المصائب والخوف والجوع ونقص الثمرات . . فكان الإنفاق والجهاد فيها أشق على النفس ، والثواب على قدر المشقة . أي : لا يستوي منكم - أيها المؤمنون - في الفضيلة والدرجة من أنفق الكثير من ماله ، من قبل أن تفتح مكة ، وجاهد في سبيل اللَّه - تعالى - جهادا كبيرا ، أولئك الذين فعلوا ذلك ، أعظم درجة ومنزلة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد أن فتحت مكة . فالجملة الكريمة بيان لتفاوت الدرجات ، على حسب تفاوت الأحوال والأعمال ، وعطف - سبحانه - القتال في قوله * ( وقاتَلُوا ) * على الإنفاق في قوله : * ( أَنْفَقُوا ) * للإشعار بشدة ارتباطهما ، وأنه لا غنى لأحدهما عن الآخر .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 27 ص 171 .