سيد محمد طنطاوي
206
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال القرطبي : أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح : فتح مكة . وقال الشعبي والزهري : فتح الحديبية . . . وفي الكلام حذف . أي : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ، ومن أنفق من بعد الفتح وقائل ، فحذف لدلالة الكلام عليه . وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم ، لأن حاجة الناس كانت أكثر لضعف الإسلام ، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق ، والأجر على قدر النصب « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( مَنْ أَنْفَقَ . . ) * عام يشمل جميع من بذل ماله قبل الفتح في سبيل اللَّه . وقيل : المراد به أبو بكر الصديق - رضى اللَّه عنه - لأنه أول من أسلم ، وأول من أنفق . وقوله - عز وجل - : * ( وكُلًّا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنى ) * مدح للفريقين ، ودفع للتوهم من أن يظن ظان أن الفريق الثاني وهو الذي أنفق من بعد الفتح وقاتل ، محروم من الأجر . أي : وكلا الفريقين وعده اللَّه - تعالى - المثوبة الحسنى وهي الجنة ، إلا أن الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا ، أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك . فهذه الآية أصل في تفاضل أهل الفضل فيما بينهم ، وأن الفضل ثابت لهم جميعا إلا أنهم تفاوتوا على حسب أعمالهم وجهادهم وسبقهم . ثم حتم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( واللَّه بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) * أي : أنه - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم الظاهرة أو الباطنة فأخلصوا أقوالكم وأفعالكم للَّه - تعالى - لتنالوا أجره وثوابه . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث التي تدل على فضل الصحابة - رضوان اللَّه عليهم - ومنها ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لا تسبوا أصحابي ، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه » « 2 » . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ، بتحريض أشد وأقوى على الإنفاق في وجوه الخير ، فقال - تعالى - : * ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّه قَرْضاً حَسَناً ، فَيُضاعِفَه لَه ، ولَه أَجْرٌ كَرِيمٌ ) * .
--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 17 ص 240 . ( 2 ) راجع تفسير ابن كثير ج 4 ص 306 .