سيد محمد طنطاوي

180

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( لِلْمُقْوِينَ ) * مأخوذ من أقوى الرجل إذا دخل في القواء ، وهو الفضاء الخالي من العمران ، والمراد بهم هنا المسافرون ، لأنهم في معظم الأحيان يسلكون في سفرهم الصحارى والفضاء من الأرض . وخصهم - سبحانه - بالذكر ، لأنهم أكثر من غيرهم انتفاعا بالنار ، وأحوج من غيرهم إليها . والمراد بشجرة النار : المرخ والعفار ، وهما شجرتان ، يقدح غصن إحداهما بغصن الأخرى فتتولد النار منهما بقدرة اللَّه - تعالى - . . . ومن أمثال العرب : لكل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار . أي : وعلا على غيرهما المرخ والعفار لأنهما أكثر الشجر نصيبا في استخراج النار . فهو مثل يضرب في تفضيل الشيء على غيره . والمعنى : وأخبرونى - أيضا - عن النار التي تقدحونها وتستخرجونها من الشجر الرطب الأخضر ، أأنتم خلقتم شجرتها ، واخترعتم أصلها ، أم نحن الخالقون لها وحدنا ؟ . لا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره ، أننا نحن الذين أنشأنا شجرتها لا أنتم . ونحن الذين جعلناها تذكرة ، نذكر الناس بها في دار الدنيا إذا أحسوا بشدة حرارتها ، بنار الآخرة التي هي أشد وأبقى ، حتى يقلعوا عن الأقوال والأفعال التي تؤدى بهم إلى نار الآخرة . ونحن - أيضا - الذين جعلنا هذه النار * ( مَتاعاً ) * أي منفعة * ( لِلْمُقْوِينَ ) * أي للمسافرين ، والذين هم في حاجة إليها في شؤونهم المختلفة . والفاء في قوله - تعالى - : * ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) * لترتيب ما بعدها على ما قبلها . أي : وما دام الأمر كذلك ، فسبح - أيها العاقل - باسم ربك العظيم ، بأن تنزهه عن الشريك والولد ، وبأن تخلص له العبادة والطاعة . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد ذكرت أربعة أدلة على إمكانية البعث : الأول عن طريق خلق الإنسان . والثاني عن طريق إنبات النبات ، والثالث عن طريق إنزال الماء من السحاب : والرابع عن طريق إنشاء الشجر الذي تستخرج منه النار . وإنها لأدلة واضحة على كمال قدرة اللَّه - تعالى - ووحدانيته لكل عبد منيب . وبعد أن ساق - سبحانه - هذه الأدلة المتنوعة على كمال قدرته وعلى صحة البعث . .