سيد محمد طنطاوي

179

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والماء الأجاج : هو الماء الشديد الملوحة والمرارة في وقت واحد . أي : لو نشاء أن نجعل هذا الماء النازل من المزن لشربكم ، ماء جامعا بين الملوحة والمرارة لفعلنا ، ولكنا لم نشأ ذلك رحمة بكم ، وفضلا منا عليكم . وقوله : * ( فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ) * حض على الشكر للَّه - تعالى - أي : فهلا شكرتم اللَّه - تعالى - على هذه النعم ، وأخلصتم له العبادة والطاعة ووضعتم نعمه في مواضعها . فالمراد بالشكر هنا : أن يواظب العبد على شكر ربه ، وعلى المداومة على ما يرضيه وعلى استعمال النعم فيما خلقت له . أما شكر الرب - عز وجل - لعبده فمعناه : منحه الثواب الجزيل ، على عمله الصالح : ومنه قوله - تعالى - : ومَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّه شاكِرٌ عَلِيمٌ . قال بعض العلماء : واعلم أن مادة الشكر تتعدى إلى النعمة تارة ، وإلى المنعم أخرى . فإن عديت إلى النعمة ، تعدت إليها بنفسها دون حرف الجر ، كقوله - تعالى - : رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ . . . . وإن عديت إلى المنعم تعدت إليه بحرف الجر الذي هو اللام ، كقوله - تعالى - : واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ . . « 1 » . وقال - سبحانه - هنا : * ( لَوْ نَشاءُ جَعَلْناه أُجاجاً ) * وقال في الآيات السابقة : * ( لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناه حُطاماً . . . ) * بلام التأكيد ، لأن إنزال الماء من السماء وتحويله من ماء عذب إلى ماء ملح ، مما لا يتوهم أن لأحد قدرة عليه سوى اللَّه - تعالى - لذا لم يحتج الأمر إلى تأكيد . . أما جفاف الزرع بعد نضارته ، حتى يعود حطاما ، فمما يحتمل أنه من فعل الزارع ، أو لأي سبب آخر ، كآفة زراعية ، لذا أكد - سبحانه - أنه هو الفاعل لذلك على الحقيقة ، وأنه - تعالى - قادر على تحطيمه بعد نموه وريعانه . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الدليل الرابع على قدرته - تعالى - على البعث والنشور ، فقال - تعالى - : * ( أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ . نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعاً لِلْمُقْوِينَ . فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) * . وقوله : * ( تُورُونَ ) * أي : توقدون ، من أورى النار إذا قدحها وأوقدها . ويقال : ورى الزند يرى وريا ، إذا خرجت ناره - وفعله من باب وعى - وأوراه غيره إذا استخرج النار منه .

--> ( 1 ) أضواء البيان ج 7 ص 794 للشيخ محمد الأمين الشنتيطى .