سيد محمد طنطاوي

178

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وأصل التفكه : التنقل في الأكل من فاكهة إلى أخرى ، ثم استعير للتنقل من حديث إلى آخر ، وهو هنا ما يكون من أحاديثهم المتنوعة بعد هلاك الزرع . والمراد بالتفكه هنا : التعجب والندم والتحسر على ما أصابهم . وقوله - سبحانه - : * ( إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ) * مقول لقول محذوف . أي : فصرتم بسبب تحطيم زروعكم تتعجبون ، وتقولون على سبيل التحسر : إنا لمهلكون بسبب هلاك أقواتنا ، من الغرام بمعنى الهلاك . أو إنا لمصابون بالغرم والاحتياج والفقر ، بسبب ما أصاب زرعنا . من الغرم وهو ذهاب المال بلا مقابل . وتقولون - أيضا - : * ( بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) * من منافع هذا الزرع الذي كنا نعلق الآمال على الانتفاع به ، والاستفادة بثماره . . قال الإمام القرطبي - رحمه اللَّه - عند تفسيره لهذه الآيات : والمستحب لكل من يلقى البذر في الأرض أن يقرأ بعد الاستعاذة : * ( أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ . . . ) * الآيات . ثم يقول : بل اللَّه الزارع ، والمنبت والمبلغ . اللهم صل على محمد ، وارزقنا ثمر هذا الزرع ، وجنبنا ضرره ، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين ، ولآلائك من الذاكرين ، وبارك فيه يا رب العالمين . . . « 1 » . ثم ذكر - سبحانه - الدليل الثالث على إمكانية البعث ، وعلى كمال قدرته - تعالى - فقال : * ( أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ . أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوه مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ . لَوْ نَشاءُ جَعَلْناه أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ) * . أي : وأخبرونى - أيضا - عن الماء الذي تشربونه ، أأنتم الذين أنزلتموه من * ( الْمُزْنِ ) * أي . من السحاب أم نحن الذين أنزلناه ؟ . لا شك أننا نحن الذين أنزلناه ، ولا تستطيعون إنكار ذلك ، لأن إنكاركم لذلك يعتبر نوعا من المكابرة المكشوفة ، والمغالطة المفضوحة . وتخصيص هذا الوصف ، وهو * ( الَّذِي تَشْرَبُونَ ) * بالذكر ، مع كثرة منافع الماء ، لأن الشرب أهم المقاصد التي من أجلها أنزل - سبحانه - الماء من السحاب . وقوله - سبحانه - : * ( لَوْ نَشاءُ جَعَلْناه أُجاجاً . . . ) * بيان لمظهر من مظاهر رحمته - سبحانه - ومفعولي المشيئة هنا وفي ما قبله إلى قوله * ( لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناه حُطاماً . . . ) * محذوف ، للاكتفاء عنه بجواب الشرط .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 17 ص 218 .