سيد محمد طنطاوي
177
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله : * ( وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) * يقال : سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه ، وغلبته عليه ، ولم تمكنه منه ، فمعنى قوله * ( وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ ) * أنا قادرون على ذلك لا تغلبوننا عليه . وأمثالكم جمع مثل - بسكون الثاء - أي : على أن نبدل منكم ومكانكم أشباهكم من الخلق وعلى أن نُنْشِئَكُمْ في خلق لا تعلمونها وما عهدتم مثلها . يعنى أنا نقدر على الأمرين جميعا : على خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم ، فكيف نعجز عن إعادتكم . ويجوز أن يكون أمثالكم جمع مثل ، بفتحتين أي : على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها في خلقكم وأخلاقكم ، وننشئكم في صفات لا تعلمونها . . « 1 » . ثم لفت - سبحانه - أنظارهم إلى ما يعلمونه من حالهم فقال : * ( ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ) * . أي : واللَّه لقد علمتم النشأة الأولى من خلقكم ، حيث أوجدناكم من نطفة فعلقة فمضغة . . . فهلا تذكرتم ذلك وعقلتموه ، وعرفتم أن من قدر على خلقكم ولم تكونوا شيئا مذكورا . . قادر على إعادتكم إلى الحياة مرة أخرى ؟ . فالمقصود بهذه الآيات الكريمة إقامة الأدلة الساطعة ، على إمكانية البعث وعلى أن من قدر على خلق الإنسان مع العدم قادر على إعادته . قال القرطبي : وفي الخبر : عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الأخرى ، وهو يرى النشأة الأولى . وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة ، وهو لا يسعى لدار القرار « 2 » . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان الدليل الثاني على صحة البعث وإمكانيته . فقال - تعالى - : * ( أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ . أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ، لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناه حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ . إِنَّا لَمُغْرَمُونَ . بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) * . والحرث : شق الأرض من أجل زراعتها ، والمراد به هنا : وضع البذر فيها بعد حرثها . أي : أخبروني عن البذور التي تلقون بها في الأرض بعد حرثها ، أأنتم الذين تنبتونها وتصيرونها زرعا بهيجا نضرا أم نحن الذين نفعل ذلك ؟ لا شك أنا نحن الذين نصير هذه البذور زروعا ونباتا يانعا ، ولو نشاء لجعلنا هذا النبات * ( حُطاماً ) * أي مكسرا مهشما يابسا لا نفع فيه ، فظللتم بسبب ذلك * ( تَفَكَّهُونَ ) * أي : فصرتم بسبب ما أصاب زرعكم من هلاك ، تتعجبون مما أصابه ، وتتحسرون على ضياع أموالكم ، وتندمون على الجهد الذي بذلتموه من غير فائدة . .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 56 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 47 ص 216 .