سيد محمد طنطاوي

176

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

صغيرا ، ومنكم من يموت كبيرا ، وما نحن بمسبوقين ، أي : وما نحن بمغلوبين على ذلك ، بل نحن قادرون قدرة تامة على تحديد آجالكم ، فمن حضره أجله فلن يستطيع أن يتأخر عنه ساعة ، أو يتقدم عنه ساعة . كما قال - تعالى - : فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ . وقوله - تعالى - : عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ متعلق بقوله : * ( نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ . . . ) * . والمراد بتبديل أمثالهم : إيجاد قوم آخرين من ذرية أولئك الذين ماتوا . والمعنى : نحن وحدنا الذين قدرنا بينكم الموت وحددناه على حسب مشيئتنا ونحن الذين في قدرتنا أن نبدل من الذين ماتوا منكم أشباها لهم ، نوجدهم بقدرتنا - أيضا - كما قال - سبحانه - : ورَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ويَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ ، كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ « 1 » . ويصح أن يكون قوله - تعالى - : * ( قَدَّرْنا ) * بمعنى قضينا وكتبنا ، ويكون قوله : عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ متعلق بقوله * ( بِمَسْبُوقِينَ ) * ، ويكون المراد بتبديل أمثالهم . إيجاد قوم آخرين سواهم . والمعنى : نحن الذين وحدنا كتبنا عليكم الموت ، وقضيناه على جميع الخلق فكل نفس ذائقة الموت ، وما نحن بمغلوبين على إهلاككم ، وعلى خلق أمثالكم بدلا منكم كما قال - تعالى - : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّه . واللَّه هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ، وما ذلِكَ عَلَى اللَّه بِعَزِيزٍ « 2 » . وقوله - سبحانه - : ونُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ بيان للون آخر من ألوان قدرته - تعالى - . أي : نحن لسنا بعاجزين ولا بمغلوبين . . على أن نهلككم ونأتى بدلا منكم بغيركم . ولسنا - أيضا - بعاجزين على أن ننشئكم بعد إهلاككم فيما لا تعلمونه من الصور ، والهيئات ، والصفات . قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى - : * ( نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ ) * أي : قدرناه تقديرا ، وقسمناه عليكم قسمة الرزق على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيئتنا فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط . . .

--> ( 1 ) سورة الأنعام الآية 123 . ( 2 ) سورة فاطر الآية 15 - 17 .