سيد محمد طنطاوي

158

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقد اختير الافتتاح بالظرف المتضمن معنى الشرط ، لأنه ينبه الأذهان ويحرك النفوس لترقب الجواب . والواقعة من أسماء القيامة كالقارعة ، والحاقة ، والآزفة . . قال الجمل : وفي * ( إِذا ) * هنا أوجه : أحدها : أنها ظرف محض ، ليس فيها معنى الشرط ، والعامل فيها ليس ، من حيث ما فيها من معنى النفي ، كأنه قيل : ينتفى التكذيب بوقوعها إذا وقعت . والثاني : أن العامل فيها اذكر مقدرا . الثالث : أنها شرطية وجوابها مقدر ، أي : إذا وقعت الواقعة كان ، كيت وكيت ، وهو العامل فيها . . « 1 » . وقال بعض العلماء : والذي يظهر لي صوابه ، أن إذا هنا : هي الظرفية المتضمنة معنى الشرط ، وأن قوله الآتي : * ( إِذا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا ) * بدل من قوله : * ( إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ) * وأن الجواب إذا هو قوله : * ( فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ . . . ) * . وعليه فالمعنى : إذا قامت القيامة ، وحصلت هذه الأحوال العظيمة ، ظهرت منزلة أصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة . . « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ) * مؤكد لما قبله ، من أن وقوع يوم القيامة حق لا ريب فيه . وكاذبة : صفة لموصوف محذوف ، وهي اسم فاعل بمعنى المصدر . . أي : عندما تقع القيامة ، لا تكذبها نفس من النفوس التي كانت تجحدها في الدنيا ، بل كل نفس حينئذ تكون مصدقة لها . قال القرطبي : قوله : * ( لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ) * . الكاذبة مصدر بمعنى الكذب ، والعرب قد تضع الفاعل والمفعول موضع المصدر ، كقوله - تعالى - : لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً أي : لغو . . أي : ليس لقيام القيامة كذب ولا تخلف ، بل هي واقعة يقينا . . أو الكاذبة صفة والموصوف محذوف ، أي : ليس لوقعتها حال كاذبة أو نفس كاذبة . . « 3 »

--> ( 1 ) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 270 . ( 2 ) راجع أضواء البيان ج 7 ص 761 للشيخ الشنقيطي - رحمه اللَّه . ( 3 ) تفسير القرطبي ج 17 ص 194 .