سيد محمد طنطاوي
159
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : اللَّه لا إِله إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيه . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّه وَحْدَه ، وكَفَرْنا بِما كُنَّا بِه مُشْرِكِينَ « 2 » . ثم بين - سبحانه - ما يترتب على قيام الساعة من أحوال فقال : * ( خافِضَةٌ رافِعَةٌ ) * أي : هي خافضة للأشقياء إلى أسفل الدركات : وهي رافعة للسعداء إلى أعلى الدرجات . والخفض والرفع يستعملان عند العرب في المكان والمكانة . وفي العز والإهانة . . ونسب - سبحانه - الخفض والرفع إلى القيامة على سبيل المجاز . والمقصود بالآية الكريمة ترغيب الصالحين في الازدياد من العمل الصالح ، لترفع منزلتهم يوم القيامة ، وترهيب الفاسقين من سوء المصير الذي ينتظرهم ، إذا ما استمروا في فسقهم وعصيانهم . ويرى بعضهم أن المراد بالخفض والرفع في هذا اليوم ، ما يترتب عليه من تناثر النجوم ، ومن تبدل الأرض غير الأرض ، ومن صيرورة الجبال كالعهن المنفوش . . وعلى هذا يكون المقصود بالآية : التهويل من شأن يوم القيامة ، حتى يستعد الخلق لاستقباله ، بالإيمان والعمل الصالح ، حتى لا يصيبهم فيه ما يصيب العصاة المفسدين ، من خزي وهوان . . والآية الكريمة تسع المعنيين ، لأن في هذا اليوم يرتفع الأخيار وينخفض الأشرار ، ولأن فيه - أيضا - تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ والسَّماواتُ . . . . والمراد بالرج في قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( إِذا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا . وبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا . . . ) * التحريك الشديد ، والاضطراب الواضح . يقال : رج فلان الشيء رجا ، إذا حركه بعنف وزلزلة بقوة . . وقوله * ( وبُسَّتِ ) * من البس بمعنى التفتيت والتكسير الدقيق ، ومنه قولهم : بس فلان السويق ، إذا فتته ولته وهيأه للأكل . . . أي : إذا رجت الأرض وزلزلت زلزالا شديدا ، وفتت الجبال تفتيتا حتى صارت كالسويق
--> ( 1 ) سورة النساء الآية 87 . ( 2 ) سورة غافر الآية 84 .