سيد محمد طنطاوي

145

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم بين - سبحانه - ما يحل بالمجرمين في هذا اليوم من عذاب فقال : * ( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ ، فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأَقْدامِ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . هذِه جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) * . وقوله : * ( بِسِيماهُمْ ) * أي : بعلاماتهم التي تدل عليهم ، وهي زرقة العيون . وسواد الوجوه ، كما في قوله - تعالى - : ويَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّه وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ . . . « 1 » . وكما في قوله - سبحانه - : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ونَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً . . . « 2 » . والنواصي : جمع ناصية ، وهي مقدم الرأس . والأقدام : جمع قدم ، وهو ظاهر الساق ، و « أل » في هذين اللفظين عوض عن المضاف إليه . والمراد بالطواف في قوله : * ( يَطُوفُونَ بَيْنَها . . ) * كثرة التردد والرجوع إليها بين وقت وآخر . والحميم : الماء الشديد الغليان والحرارة . و * ( آنٍ ) * : أي : قد بلغ النهاية في شدة الحرارة ، يقال : أنى الحميم ، أي انتهى حره إلى أقصى مداه ، فهو آن وبلغ الشيء أناه - بفتح الهمزة وكسرها - إذا وصل إلى غاية نضجه وإدراكه ، ومنه قوله - تعالى - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناه أي : نضجه . . أي : في هذا اليوم ، وهو يوم الحساب والجزاء * ( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ ) * بسواد وجوههم ، وزرقة عيونهم ، وبما تعلو أفئدتهم من غبرة ترهقها قترة . فتأخذ الملائكة بالشعر الذي في مقدمة رؤسهم ، وبالأمكنة الظاهرة من سيقانهم ، وتقذف بهم في النار ، وتقول لهم على سبيل الإهانة والإذلال : هذه جهنم التي كنتم تكذبون بها في الدنيا أيها المجرمون ، فترددوا بين مائها الحار ، وبين سعيرها البالغ النهاية في الشدة . وفي قوله : * ( فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأَقْدامِ ) * إشارة إلى التمكن منهم تمكنا شديدا ، بحيث لا يستطيعون التفلت أو الهرب . وقد ختمت كل آية من هذه الآيات السابقة بقوله - تعالى - : * ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) * لأن عقاب العصاة المجرمين ، وإثابة الطائعين المتقين ، يدل على كمال عدله

--> ( 1 ) سورة الزمر الآية 60 . ( 2 ) سورة طه الآية 102 .