سيد محمد طنطاوي

21

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال الفخر الرازي : أعلم أنه - تعالى - لما عظم وحيه إلى نبيه محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بقوله : كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال : * ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِه نُوحاً . . ) * . أي : شرع اللَّه لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى به نوحا ومحمدا وإبراهيم وموسى وعيسى . . وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر ، لأنهم أكابر الأنبياء ، وأصحاب الشرائع العظيمة ، والأتباع الكثيرة « 1 » . والمراد بما شرعه - سبحانه - على ألسنة هؤلاء الرسل : أصول الأديان التي لا يختلف فيها دين عن دين ، أو شريعة عن شريعة ، كإخلاص العبادة للَّه - تعالى - والإيمان بكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر ، والتحلي بمكارم الأخلاق كالصدق والعفاف . أما ما يتعلق بفروع الشرائع ، كتحليل بعض الطيبات لقوم على سبيل التيسير لهم ، وتحريمها على قوم على سبيل العقوبة لهم فهذا لا يدخل في الأصول الثابتة في جميع الأديان ، وإنما يختلف باختلاف الظروف والأحوال . ويؤيد ذلك قوله - تعالى - : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ومِنْهاجاً « 2 » . وقوله - سبحانه - حكاية عن عيسى - عليه السلام - ولأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ « 3 » . والمعنى : سن اللَّه - تعالى - لكم - يا أمة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من العقائد ومكارم الأخلاق ، ما سنه لنوح - عليه السلام - الذي هو أول أولى العزم من الرسل ، وأول أصحاب الشرائع الجامعة . وشرع اللَّه - تعالى - لكم - أيضا ما أوحاه إلى نبيه محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من آداب وأحكام وأوامر ونواه .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 282 . ( 2 ) سورة المائدة الآية 48 . ( 3 ) سورة آل عمران الآية 50 .