سيد محمد طنطاوي

22

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وشرع لكم كذلك ما وصى به - سبحانه - أنبياءه : إبراهيم وموسى وعيسى ، من وصايا تتعلق بوجوب طاعة اللَّه - تعالى - ، وإخلاص العبادة له ، والبعد عن كل ما يتنافى مع مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم . وقوله - سبحانه - : * ( أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيه ) * تفصيل وتوضيح لما شرعه - سبحانه - لهؤلاء الكرام ، ولما أوصاهم به . والمراد بإقامة الدين : التزام أوامره ونواهيه ، وطاعة الرسل في كل ما جاؤوا به من عند ربهم طاعة تامة . قال صاحب الكشاف : والمراد : إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد اللَّه - تعالى - وطاعته ، والإيمان برسله وكتبه ، وبيوم الجزاء ، وسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلما ، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم حسب أحوالها ، فإنها مختلفة متفاوتة . قال اللَّه تعالى - لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ومِنْهاجاً . ومحل * ( أَنْ أَقِيمُوا ) * إما النصب على أنه بدل من مفعول شرع والمعطوفين عليه ، وإما الرفع على الاستئناف ، كأنه قيل : وما ذلك المشروع ؟ فقيل : هو إقامة الدين . « 1 » . أي : أوصاكم كما أوصى من قبلكم بالمحافظة على ما اشتمل عليه دين الإسلام من عقائد وأحكام وآداب . . وأصول أجمعت عليها جميع الشرائع الإلهية ، كما أوصاكم بعدم الاختلاف في أحكامه التي لا تقبل الاختلاف أو التفرق . ثم بين - سبحانه - موقف المشركين من الدين الحق فقال : * ( كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْه ) * . أي : شق وعظم على المشركين دعوتكم إياهم إلى وحدانية اللَّه - تعالى - ، وإلى ترك ما ألفوه من شرك ، ومن تقاليد فاسدة ورثوها عن آبائهم . وقوله - تعالى - : * ( اللَّه يَجْتَبِي إِلَيْه مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي إِلَيْه مَنْ يُنِيبُ ) * بيان لكمال قدرته - تعالى - ونفاذ مشيئته . والاجتباء : الاصطفاء والاختيار . أي : اللَّه - تعالى - بإرادته وحكمته يصطفى ويختار لرسالته من يشاء من عباده ، ويهدى إلى الحق من ينيب إليه ، ويرجع إلى طاعته - عز وجل - ويقبل على عبادته . ثم بين - سبحانه - الأسباب التي أدت إلى اختلاف المختلفين في أمر الدين ، وإلى تفرقهم شيعا وأحزابا فقال . * ( وما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) * .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 215 .