سيد محمد طنطاوي

18

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

واسم الإشارة في قوله - سبحانه - : * ( ذلِكُمُ اللَّه رَبِّي عَلَيْه تَوَكَّلْتُ وإِلَيْه أُنِيبُ ) * يعود إلى اللَّه - تعالى - الذي يجب أن يكون التحاكم إليه وحده عند الاختلاف . أي : ذلك الحاكم العادل الذي لا حاكم بحق سواه * ( رَبِّي ) * وخالقي ورازقي . . * ( عَلَيْه ) * وحده * ( تَوَكَّلْتُ ) * واعتمدت في جميع شئونى * ( وإِلَيْه أُنِيبُ ) * أي : وإليه وحده أرجع في كل أموري . * ( فاطِرُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * أي هو خالقهما وموجدهما على غير مثال سابق ، من فطر الشيء إذا ابتدعه واخترعه دون أن يسبق إلى ذلك . * ( جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ومِنَ الأَنْعامِ أَزْواجاً ) * أي : جعل لكم - سبحانه - بقدرته من جنس أنفسكم أزواجا ، أي : نساء تجمع بينكم وبينهن المودة والرحمة ، كما قال - تعالى - : ومِنْ آياتِه أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً ورَحْمَةً . وقوله - سبحانه - : * ( ومِنَ الأَنْعامِ أَزْواجاً ) * معطوف على ما قبله . أي : كما خلق لكم من أنفسكم أزواجا ، خلق - أيضا - للأنعام من جنسها إناثا ، ليحصل التوالد والتناسل والتعمير لهذا الكون . وقوله - تعالى - * ( يَذْرَؤُكُمْ فِيه ) * بيان للحكمة من هذا الجعل والخلق للأزواج . والذرء : التكاثر والبث . يقال : ذرأ فلان الشيء ، إذا بثه وكثره . والضمير المنصوب في قوله * ( يَذْرَؤُكُمْ ) * يعود إلى المخاطبين وإلى الأنعام ، على سبيل التغليب للعقلاء على غيرهم . والضمير في قوله * ( فِيه ) * يعود إلى التزاوج بين الذكور والإناث المفهوم من قوله - تعالى - : * ( جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ومِنَ الأَنْعامِ أَزْواجاً ) * . أي : يكثركم وينميكم بسبب هذا التزاوج الذي يحصل بين ذكوركم وإناثكم حيث يتناسل - أحيانا - بين الذكر الواحد والأنثى الواحدة ، عدد كبير من الأولاد . وقال - سبحانه - * ( يَذْرَؤُكُمْ فِيه ) * ولم يقل يذرؤكم به أي : بسببه ، للأشعار بأن هذا التزاوج قد صار مثل المنبع والأصل للبث والتكثير . قال - تعالى - : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ، وبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً ونِساءً . قال بعض العلماء : فإن قيل : ما وجه إفراد الضمير المجرور في قوله * ( يَذْرَؤُكُمْ فِيه ) * مع