سيد محمد طنطاوي
19
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أنه على ما ذكرتم ، يعود إلى الذكور والإناث من الآدميين والأنعام ؟ . فالجواب : أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن ، رجوع الضمير بصيغة الإفراد إلى المثنى أو الجمع باعتبار ما ذكر . ومنه قوله - تعالى - : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّه سَمْعَكُمْ وأَبْصارَكُمْ وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ ، مَنْ إِله غَيْرُ اللَّه يَأْتِيكُمْ بِه أي : يأتيكم بما ذكر من سمعكم وأبصاركم وقلوبكم « 1 » . ثم نزه - سبحانه - ذاته عن الشبيه أو النظير . . فقال * ( لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ ) * . أي : ليس مثله شيء - تعالى - : لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، فالكاف مزيدة في خبر * ( لَيْسَ ) * و * ( شَيْءٌ ) * اسمها . أي : ليس شيء مثله . أو أن الكاف أصلية . فيكون المعنى : ليس مثله - تعالى - أحد لا في الذات ولا في الصفات ولا في الأفعال . وذلك كقول العرب : مثلك لا يبخل ، يعنون : أنت لا تبخل على سبيل الكناية ، قصدا إلى المبالغة في نفى البخل عن المخاطب بنفيه عن مثله ، فيثبت انتفاؤه عنه بدليله . والمقصود من الجملة الكريمة على كل تفسير : تنزيهه - تعالى - عن مشابهة خلقه في الذات أو الصفات أو الأفعال . قال صاحب الكشاف : قالوا : مثلك لا يبخل ، فنفوا البخل عن مثله ، وهم يريدون نفيه عن ذاته ، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية ، لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده ، وعمن هو على أخص أوصافه ، فقد نفوه عنه . ونظيره قولك للعربي : العرب لا تخفر الذمم ، كان أبلغ من قولك : أنت لا تخفر . . « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) * أي : وهو - سبحانه - السميع لكل أقوال خلقه ، البصير بما يسرونه وما يعلنونه من أفعال . * ( لَه مَقالِيدُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * أي : له وحده مفاتيح خزائنهما ، وله وحده - أيضا - ملك هذه الخزائن ، لأن ملك مفاتيحها يستلزم ملكها . والمقاليد : جمع مقلاد أو إقليد وهو المفتاح .
--> ( 1 ) تفسير أضواء البيان ج 7 ص 175 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 212 .