سيد محمد طنطاوي
15
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والكاف في قوله - تعالى - : * ( وكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا . . ) * في محل نصب على المصدرية ، واسم الإشارة يعود إلى مصدر * ( أَوْحَيْنا ) * . أي : ومثل ذلك الإيحاء البديع الواضح ، أوحينا إليك - أيها الرسول الكريم - قرآنا عربيا ، لا لبس فيه ولا غموض . وقوله - سبحانه - * ( لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى ومَنْ حَوْلَها ) * تعليل لهذا الإيحاء . والمراد بأم القرى : أهلها . وسميت مكة بأم القرى ، لأنها مكان أول بيت وضع للناس ، ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم ، ولأنها أعظم القرى شأنا وغيرها كالتبع لها ، كما يتبع الفرع الأصل ، أي : أوحينا إليك هذا القرآن لتنذر به أهل أم القرى ، ولتنذر به - أيضا - من حولها من أهل القرى الأخرى . وخص أهل أم القرى ومن حولها بالذكر في الإنذار ، لأنهم أقرب الناس إليه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كما قال - تعالى - في آية أخرى وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ . وليس معنى هذا التخصيص أن رسالته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كانت إليهم وحدهم ، لأن هناك آيات أخرى كثيرة قد صرحت بأن رسالته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كانت إلى الناس كافة ، ومن هذه الآيات : وقوله - تعالى - : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّه إِلَيْكُمْ جَمِيعاً وقوله - سبحانه - : وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وقوله - عز وجل - : وأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ