سيد محمد طنطاوي

16

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

لأُنْذِرَكُمْ بِه ومَنْ بَلَغَ . فهذه الآيات وغيرها تنطق وتشهد بأن رسالته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كانت للناس جميعا ، بل للإنس وللجن ، كما يشير إلى ذلك قوله - تعالى - : وإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوه قالُوا أَنْصِتُوا ، فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ . وجملة * ( وتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيه ) * معطوفة على ما قبلها . والمراد بيوم الجمع : يوم القيامة ، لأنه اليوم الذي يجتمع فيه الأولون والآخرون بين يدي اللَّه - تعالى - للحساب والجزاء ، والثواب والعقاب . أي : أوحينا إليك هذا القرآن لتنذر به أهل مكة ومن حولها ، وتنذر الناس جميعا وتخوفهم من أهوال يوم القيامة ، الذي يجتمع فيه الخلائق للحساب . وقوله : * ( لا رَيْبَ فِيه ) * كلام معترض لتقرير ما قبله وتأكيده ، أو صلة ليوم الجمع . وقوله : * ( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) * بيان للنتيجة التي ترتبت على هذا الإنذار . أي : بعد هذا الإنذار الذي أنذرته للناس - أيها الرسول الكريم - هناك فريق آمن بك وصدقك فكان مصيره إلى الجنة ، وهناك فريق أعرض عنك وكذبك ، فكان مصيره إلى النار . وقوله - تعالى - * ( ولَوْ شاءَ اللَّه لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً ، ولكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِه ) * بيان لكمال قدرته - عز وجل - . أي : ولو شاء اللَّه - تعالى - أن يجعل الناس أمة واحدة على الدين الحق لجعلهم كذلك ، لأن قدرته لا يعجزها شيء ، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ليتميز الخبيث من الطيب ، والمهتدى من الضال . أما المهتدون فهم أهل رحمته ورضوانه ، وأما الضالون فهم أهل عذابه وغضبه فقوله - تعالى - * ( ولكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِه ) * بيان لمن عرفوا الدين الحق واتبعوه وقوله - سبحانه - : * ( والظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ ولا نَصِيرٍ ) * بيان لمن استحبوا العمى على الهدى . قال الآلوسي ما ملخصه : * ( ولكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِه ) * أي : أنه - تعالى - يدخل في رحمته من يشاء أن يدخله فيها ، ويدخل في عذابه من يشاء أن يدخله فيه ، ولا ريب في أن مشيئته - تعالى - لكل من الإدخالين ، تابعة لاستحقاق كل فريق لعمله . وقال : * ( والظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ ولا نَصِيرٍ ) * ولم يقل ويدخل من يشاء في عذابه ، للإيذان بأن الإدخال في العذاب ، بسبب سوء اختيار الداخلين فيه « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 25 ص 14 .