سيد محمد طنطاوي
14
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : والملائكة ينزهون ربهم - تعالى - عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله ، خوفا منه - سبحانه - ، ورهبة لذاته . وقوله : * ( ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ ) * معطوف على * ( يُسَبِّحُونَ ) * . والمراد بمن في الأرض : المؤمنون بصفة خاصة ، لأنهم هم الذين يستحقون ذلك ، كما قال - تعالى - في آية أخرى : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ومَنْ حَوْلَه يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِه ، ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا . أي : أن الملائكة ينزهون اللَّه - تعالى - عما لا يليق به . ويطلبون للمؤمنين من أهل الأرض عفو اللَّه - تعالى - ورحمته وغفرانه . وقوله : * ( أَلا إِنَّ اللَّه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) * تذييل قصد به الثناء على اللَّه - تعالى - بما هو أهله . أي : ألا إن اللَّه - تعالى - وحده ، هو الواسع المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده ، لا يمنعه من ذلك مانع ، ولا يحاسبه على ما يفعل محاسب . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المشركين فقال : * ( والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِه أَوْلِياءَ اللَّه حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ) * . أي : والذين اتخذوا من دون اللَّه - تعالى - شفعاء وشركاء ليقربوهم إليه زلفى ، اللَّه - تعالى - وحده رقيب عليهم ، وسيجازيهم بما يستحقون من عقاب يوم القيامة ، وما أنت - أيها الرسول الكريم - عليهم بحفيظ أو رقيب على أعمالهم ، وإنما أنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب . ثم بين - سبحانه - الحكمة من إنزال هذا القرآن على الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كما بين أنواعا من الأدلة عن كمال قدرته ، ووجوب إفراده بالعبادة والخضوع ، ووجوب التحاكم إلى شريعته عند الاختلاف والتنازع . فقال - تعالى - : [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 7 إلى 12 ] وكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى ومَنْ حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيه فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ( 7 ) ولَوْ شاءَ اللَّه لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً ولكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِه والظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ ولا نَصِيرٍ ( 8 ) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِه أَوْلِياءَ فَاللَّه هُوَ الْوَلِيُّ وهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 9 ) ومَا اخْتَلَفْتُمْ فِيه مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُه إِلَى اللَّه ذلِكُمُ اللَّه رَبِّي عَلَيْه تَوَكَّلْتُ وإِلَيْه أُنِيبُ ( 10 ) فاطِرُ السَّماواتِ والأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ومِنَ الأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيه لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 11 ) لَه مَقالِيدُ السَّماواتِ والأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ويَقْدِرُ إِنَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 12 )