سيد محمد طنطاوي
13
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
كل أقواله وأفعاله ، والذي له جميع ما في السماوات وما في الأرض خلقا وملكا وتصرفا . . وهو - سبحانه - * ( الْعَلِيُّ ) * أي : المتعالي عن الأشباه والأنداد والأمثال والأضداد . * ( الْعَظِيمُ ) * أي : في ذاته وفي صفاته ، وفي أفعاله . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر علو شأنه وكمال عظمته وجلاله فقال : * ( تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ) * . والفعل * ( تَكادُ ) * مضارع « كاد » الذي هو من أفعال المقاربة . وقوله * ( يَتَفَطَّرْنَ ) * أي : يتشققن . والضمير في قوله - تعالى - : * ( مِنْ فَوْقِهِنَّ ) * يعود إلى السماوات ، باعتبار أن كل سماء تنفطر فوق التي تليها . وهذا التفطر سببه الخشية من اللَّه - تعالى - ، والخوف من جلاله وعظمته فيكون المعنى : تكاد السماوات يتشققن فيسقطن مع عظمهن * ( مِنْ فَوْقِهِنَّ ) * أي : من أعلاهن ، خشية ورهبة من عظمته - عز وجل - ، كما قال - تعالى - ولِلَّه يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ والْمَلائِكَةُ وهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ . يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ويصح أن يكون هذا التفطر سببه ، شدة الفرية التي افتراها المشركون على اللَّه - تعالى - حيث زعموا أن للَّه ولدا ، كما قال سبحانه - : وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا . تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْه وتَنْشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً . وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم قال : * ( مِنْ فَوْقِهِنَّ ) * ؟ قلت : لأن أعظم الآيات وأدلها على الجلال والعظمة : فوق السماوات ، وهي : العرش ، والكرسي ، وصفوف الملائكة ، المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش ، وما لا يعلم كنهه إلا اللَّه - تعالى - من آثار ملكوته العظمى ، فلذا قال : * ( يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ) * أي : يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية . أو لأن كلمة الكفر جاءت من الذين تحت السماوات . فكان القياس أن يقال : من تحتهن ، من الجهة التي جاءت منها الكلمة ، ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في جهة الفوق . كأنه قيل : يكدن يتفطرن من الجهة التي فوقهن ، ع الجهة التي تحتهن « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( والْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) * مؤكد لما قبله من بيان علو شأنه - عز وجل - ، وسمو عظمته وجلاله .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 209 .