سيد محمد طنطاوي
97
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وهم قوم يعظمون النجوم - ليقنعهم بصدق اعتذاره عن الخروج معهم ، ويتم له ما يريده من تحطيم الأصنام . كما يبدو لنا أن قوله : « إني سقيم » المقصود منه : إني سقيم القلب بسبب ما أنتم فيه من كفر وضلال ، فإن العاقل يقلقه ويزعجه ويسقمه ما أنتم فيه من عكوف على عبادة الأصنام . وقال لهم ذلك ليتركوه وشأنه ، حتى ينفذ ما أقسم عليه بالنسبة لتلك الأصنام . فكلام إبراهيم حق في نفس الأمر - كما قال الإمام ابن كثير - وقد ترك لقومه أن يفهموه على حسب ما يعتقدون . ثم حكى - سبحانه - ما فعله إبراهيم بالأصنام بعد أن انفرد بها فقال : * ( فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ ) * . وأصل الروغ : الميل إلى الشيء بسرعة على سبيل الاحتيال . يقال : راغ فلان نحو فلان . إذا مال إليه لأمر يريده منه على سبيل الاحتمال . أي : فذهب إبراهيم مسرعا إلى الأصنام بعد أن تركها القوم وانصرفوا إلى عيدهم ، فقال لها على سبيل التهكم والاستهزاء : أيتها الأصنام ألا تأكلين تلك الأطعمة التي قدمها لك الجاهلون على سبيل التبرك ؟ وخاطبها كما يخاطب من يعقل فقال : « ألا تأكلون » ، لأن قومه أنزلوها تلك المنزلة . وقوله : « ما لكم لا تنطقون » زيادة في السخرية بتلك الأصنام ، وفي إظهار الغيظ منها ، والضيق بها ، والغضب عليها . هذا الغضب الذي كان من آثاره ما بينه القرآن في قوله : * ( فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ ) * أي : فمال عليهم ضاربا إياهم بيده اليمنى ، حتى حطمهم كما قال - تعالى - في آية أخرى : فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْه يَرْجِعُونَ . وقال - سبحانه - : * ( ضَرْباً بِالْيَمِينِ ) * للدلالة على أن إبراهيم - عليه السلام - لشدة حنقه وغضبه على الأصنام - قد استعمل في تحطيمها أقوى جارحة يملكها وهي يده اليمنى . وقيل : يجوز أن يراد باليمين : اليمين التي حلفها حين قال : وتَاللَّه لأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ . وانتهى إبراهيم من تحطيم الأصنام ، وارتاحت نفسه لما فعله بها ، وشفى قلبه من الهم والضيق الذي كان يجده حين رؤيتها . . . وجاء قومه من رحلتهم ، ووجدوا أصنامهم قد تحطمت ، ويترك القرآن هنا ما قالوه