سيد محمد طنطاوي

98

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

لإبراهيم عندما رأوا منظر آلهتهم بهذه الصورة المفزعة لهم ، مكتفيا بإبراز حالهم فيقول : « فأقبلوا إليه يزفون » . أي : فحين رأوا آلهتهم بهذه الصورة . أقبلوا نحو إبراهيم يسرعون الخطا ولهم جلية وضوضاء تدل على شدة غضبهم لما أصاب آلهتهم . يقال : زفّ النعام يزفّ زفّا وزفيفا ، إذا جرى بسرعة حتى لكأنه يطير . ولم يأبه إبراهيم - عليه السلام - لهياج قومه ، وإقبالهم نحوه بسرعة وغضب ، بل رد عليهم ردا منطقيا سليما ، فقال لهم : * ( أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ . واللَّه خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ ) * . أي : قال لهم مؤبخا ومؤنبا : أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها وتقطعونها من الحجارة أو من الخشب بأيديكم ، وتتركون عبادة اللَّه - تعالى - الذي خلقكم وخلق الذي تعملونه من الأصنام وغيرها . قال القرطبي ما ملخصه : قوله - تعالى - : * ( واللَّه خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ ) * « ما » في موضع نصب ، أي : خلقكم وخلق ما تعملونه من الأصنام ، يعنى الخشب والحجارة وغيرها . وقيل إن « ما » استفهام ، ومعناه : التحقير لعملهم . وقيل : هي نفى أي : أنتم لا تعملون ذلك لكن اللَّه خالقه والأحسن أن تكون « ما » مع الفعل مصدرا . والتقدير : واللَّه خلقكم وعملكم ، وهذا مذهب أهل السنة ، أن الأفعال خلق للَّه - عز وجل - واكتساب للعباد . وروى أبو هريرة عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « إن اللَّه خالق كل صانع وصنعته » « 1 » . ولكن هذا المنطق الرصين من إبراهيم ، لم يجد أذنا واعية من قومه ، بل قابلوا قوله هذا بالتهديد والوعيد الذي حكاه - سبحانه - في قوله : * ( قالُوا ابْنُوا لَه بُنْياناً فَأَلْقُوه فِي الْجَحِيمِ ) * أي قالوا فيما بينهم : ابنوا لإبراهيم بنيانا ، ثم املئوه بالنار المشتعلة ، ثم ألقوا به فيها فتحرقه وتهلكه . فالمراد بالجحيم : النار الشديدة التأجج . وكل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم ، وهذا اللفظ مأخوذ من الجحمة وهي شدة التأجج والاتقاد - يقال : جحم فلان النار - كمنع - إذا أوقدها وأشعلها ، واللام فيه عوض عن المضاف إليه - أي - ألقوه في جحيم ذلك البنيان الملئ بالنار . وبنوا البنيان ، وأضرموه بالنار ، وألقوا بإبراهيم فيها ، فماذا كانت النتيجة ؟

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 15 ص 96 .