سيد محمد طنطاوي
96
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وعلى أية حال فالآية تدل دلالة واضحة على استنكاره لما كان عليه أبوه وقومه من عبادة لغير اللَّه - تعالى - وعلى نفور فطرته لما هم عليه من باطل . ويهمل القرآن الكريم هنا ردهم عليه لتفاهته . وتنتقل السورة للإشارة إلى ما أضمره إبراهيم - عليه السلام - لتلك الآلهة الباطلة فتقول : * ( فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ . فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ . فَتَوَلَّوْا عَنْه مُدْبِرِينَ ) * . قالوا : كان قوم إبراهيم يعظمون الكواكب ، ويعتقدون تأثيرها في العالم . . وتصادف أن حل أوان عيد لهم . فدعوه إلى الخروج معهم كما هي عادتهم في ذلك العيد . فتطلع إلى السماء ، وقلب نظره في نجومها ، ثم قال لهم معتذرا عن الخروج معهم - ليخلوا بالأصنام فيحطمها - : * ( إِنِّي سَقِيمٌ ) * أي مريض مرضا يمنعني من مصاحبتكم . * ( فَتَوَلَّوْا عَنْه مُدْبِرِينَ ) * . أي : فتركوه وحده وانصرفوا إلى خارج بلدتهم . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : وإنما قال إبراهيم لقومه ذلك ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم ، فإنه كان قد أزف خروجهم إلى عيد لهم ، فأحب أن يختلى بآلهتهم ليكسرها ، فقال لهم كلاما هو حق في نفس الأمر فهموا منه أنه سقيم على ما يعتقدونه ، فتولوا عنه مدبرين . قال قتادة : والعرب تقول لمن تفكر في أمر : نظر في النجوم ، يعنى قتادة : أنه نظر في السماء متفكرا فيما يلهيهم به فقال * ( إِنِّي سَقِيمٌ ) * أي : ضعيف . وقول النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم لم يكذب إبراهيم غير ثلاث كذبات : اثنتين في ذات اللَّه ، قوله : « إني سقيم » وقوله : « بل فعله كبيرهم هذا » وقوله في سارة « هي أختي » . ليس المراد بالكذب هنا الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله ، حاشا وكلا ، وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزا ، وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني ، كما جاء في الحديث : إن من المعاريض لمندوحة عن الكذب . وقيل قوله « إني سقيم » أي : بالنسبة لما يستقبل ، يعنى مرض الموت . وقيل : أراد بقوله : « إني سقيم » أي ، مريض القلب من عبادتكم للأوثان من دون اللَّه - تعالى - . . . « 1 » . ويبدو لنا أي نظر إبراهيم - عليه السلام - في النجوم ، إنما هو نظر المؤمن المتأمل في ملكوت اللَّه - تعالى - المستدل بذلك على وحدانية اللَّه وقدرته ، وأنه إنما فعل ذلك أمامهم -
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 20 .