سيد محمد طنطاوي
56
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الذي يخرج من الرجل فيصب في رحم المرأة ، وأن من أوجده من هذا الماء قادر على أن يعيده إلى الحياة بعد الموت . لقد كان من الواجب عليه أن يدرك ذلك ، ولكنه لغفلته وعناده ، بادر بالمبالغة في الخصومة والجدل الباطل . وجاهر بذلك مجاهرة واضحة ، مع علمه بأصل خلقته . قال الآلوسي ما ملخصه : وقوله - تعالى - : * ( أَولَمْ يَرَ الإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناه مِنْ نُطْفَةٍ ) * كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث ، بعد ما شاهدوا في أنفسهم ما يوجب التصديق به . . . والهمزة للإنكار والتعجب من أحوالهم ، وإيراد الإنسان مورد الضمير ، لأن مدار الإنكار متعلق بأحواله من حيث هو إنسان . والمراد بالإنسان الجنس . والخصيم إنما هو الكافر المنكر للبعث مطلقا . وقوله : * ( فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) * عطف على الجملة المنفية ، داخل في حيز الإنكار والتعجب كأنه قيل : أو لم ير أنا خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها ، فأظهر الخصومة في أمر يشهد بصحته مبدأ فطرته شهادة بينة . . . « « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَه قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وهِيَ رَمِيمٌ ) * معطوف على الكلام المتقدم ، وداخل في حيز الإنكار . أي : أن هذا الإنسان الجاهل المجادل بالباطل ، لم يكتف بذلك ، بل ضرب لنا مثلا هو في غاية الغرابة ، حيث أنكر قدرتنا على إحياء الموتى ، وعلى بعثهم يوم القيامة ، فقال : - دون أن يفطن إلى أصل خلقته - من يحيى العظام وهي رميم ، أي : وهي بالية أشد البلى . فرميم بزنة فعيل بمعنى فاعل . من رمّ اللازم بمعنى بلى ، أو بمعنى مفعول ، من رم المتعدى بمعنى أبلى . يقال : رمه إذا أبلاه . فيستوى فيه المذكر والمؤنث . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم سمى قوله : * ( مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وهِيَ رَمِيمٌ ) * مثلا ؟ قلت : لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل ، وهي إنكار قدرة اللَّه - تعالى - على إحياء الموتى . . مع أن ما أنكر من قبيل ما يوصف اللَّه - تعالى - بالقدرة عليه ، بدليل النشأة الأولى . . « 2 » . ثم لقن اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم الجواب الذي يخرس ألسنة المنكرين للبعث فقال : * ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) * . . .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 23 ص 53 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 30 .