سيد محمد طنطاوي

57

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين المنكرين لإعادة الحياة إلى الأجساد بعد موتها ، قل لهم : يحيى هذه الأجسام والأجساد البالية ، اللَّه - تعالى - الذي أوجدها من العدم دون أن تكون شيئا مذكورا ، ومن قدر على إيجاد الشيء من العدم قادر من باب أولى على إعادته بعد هلاكه . وهو - سبحانه - بكل شيء في هذا الوجود عليم علما تاما ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، سواء أكان هذا الشيء صغيرا أم كبيرا ، مجموعا أم مفرقا . قال الشوكاني : وقد استدل أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي بهذه الآية على أن العظام مما تحله الحياة - أي أنها بعد الموت تكون نجسة . وقال الشافعي : لا تحله الحياة ، وأن المراد بقوله : * ( مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ ) * من يحيى أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف . ورد بأن هذا التقدير خلاف الظاهر « « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْه تُوقِدُونَ ) * دليل آخر على إمكانية البعث وهو بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك : * ( الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ . . . ) * . والمراد بالشجر الأخضر : الشجر النّدى الرطب ، كشجر المرخ والعفار وهما نباتان أخضران إذا ضرب أحدهما بالآخر اتقدت منهما شرارة نار بقدرة اللَّه - تعالى - . قال ابن كثير المراد بذلك سرح - أي : شجر المرخ والعفار . ينبت بأرض الحجاز فيأتي من أراد قدح نار وليس معه زناد ، فيأخذ منه عودين أخضرين ، ويقدح أحدهما بالآخر ، فتتولد النار من بينهما ، كالزناد سواء سواء . روى هذا عن ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - وفي المثل : « لكل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار » « 2 » . أي : لكل شجر حظ من النار ، ولكن أكثر الأشجار حظا من النار : المرخ والعفار . فهو مثل يضرب في تفضيل بعض الشيء على بعض . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين للبعث ، يحيى الأجساد البالية اللَّه - تعالى - الذي أنشأها أول مرة ، والذي جعل لكم - بفضله ورحمته وقدرته - من الشجر الأخضر الرطب نارا ، فإذا أنتم من هذا الشجر الأخضر توقدون النار . وتنتفعون بها في كثير

--> ( 1 ) تفسير فتح القدير ج 4 ص 383 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 581 .