سيد محمد طنطاوي
359
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : ما يقال لك إلا مثل ما قيل لإخوانك من قبلك ، وما دام الأمر كذلك . فاصبر كما صبروا ، إن ربك الذي تولاك بتربيته ورعايته ، لذو مغفرة عظيمة لعباده المؤمنين وذو عقاب أليم للكفار المكذبين . ثم رد - سبحانه - على بعض الشبهات التي أثاروها حول القرآن الكريم ردا يخرس ألسنتهم فقال : * ( ولَوْ جَعَلْناه قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُه ءَ أَعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ . . ) * . والأعجمي : يطلق على الكلام الذي لا يفهمه العربي ، كما يطلق على من لا يحسن النطق بالعربية . وقوله : * ( ءَ أَعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ ) * خبر لمبتدأ محذوف . أي : ولو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم كما قالوا : هلا أنزل هذا القرآن بلغة العجم . لو فعلنا ذلك - كما أرادوا - لقالوا مرة أخرى على سبيل التعجب : هلا فصلت ووضحت آيات هذا الكتاب بلغة نفهمها ؟ ثم لأضافوا إلى التعجب والإنكار ، تعجبا آخر فقالوا : أقرآن أعجمي ورسول عربي ؟ . ومقصدهم من هذه الشبهة الداحضة ، إنما هو إنكار الإيمان به سواء أنزل بلغة العرب أم بلغة العجم . فهم عند نزوله عربيا قالوا من بين ما قالوا : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ، ولو نزل بلسان أعجمي ، لاعترضوا وقالوا : هلا نزل بلسان عربي نفهمه . ولو جعلنا بعضه أعجميا وبعضه عربيا لقالوا : أقرآن أعجمي ورسول عربي . وهكذا المعاندون الجاحدون لا يقصدون من وراء جدالهم إلا التعنت والسفاهة . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسول صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يرد عليهم بالرد الذي يكبتهم فقال : * ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وشِفاءٌ . . ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين : هذا القرآن هو للذين آمنوا إيمانا حقا هداية إلى الصراط المستقيم ، وشفاء لما في الصدور من أسقام . كما قال - سبحانه - في آية أخرى : ونُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . . . ثم بين - سبحانه - موقف الكافرين من هذا الكتاب فقال : * ( والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) * أي : بهذا الكتاب ، وبمن نزل عليه الكتاب . * ( فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ ) * أي : في آذانهم صمم عن سماع ما ينفعهم .