سيد محمد طنطاوي

360

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) * أي : وهذا القرآن عميت قلوبهم عن تدبره وعن الاهتداء به . وقوله - تعالى - * ( أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) * ذم شنيع لهم على إعراضهم عن هذا القرآن الذي ما أنزله اللَّه - تعالى - إلا لإخراجهم من الظلمات إلى النور . أي : أولئك الكافرون الذين لم ينتفعوا بالقرآن مثلهم في صممهم وانطماس بصائرهم ، كمثل من يناديه مناد من مكان بعيد ، فهو لا يسمع منه شيئا ، ولا يعقل عنه شيئا ، لوجود المسافة الشاسعة بين المنادى ، وبين من وقع عليه النداء . قال القرطبي : قوله - تعالى - : * ( أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) * يقال ذلك لمن لا يفهم من التمثيل . وحكى أهل اللغة أنه يقال للذي يفهم : أنت تسمع من قريب ، ويقال للذي لا يفهم : أنت تنادى من بعيد أي : كأنه ينادى من موضع بعيد منه ، فهو لا يسمع النداء ولا يفهمه . وقال الضحاك : * ( يُنادَوْنَ ) * يوم القيامة بأقبح أسمائهم * ( مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) * فيكون ذلك لتوبيخهم وفضيحتهم . . « 1 » . ومن يتدبر هذه الآية الكريمة يرى مصداقها في كل زمان ومكان ، فهناك من ينتفع بهذا القرآن قراءة وسماعا وتطبيقا . . وهناك من يستمعون إلى هذا القرآن ، فلا يزيدهم إلا صمما ، ورجسا إلى رجسهم وعمى على عماهم . ثم بين - سبحانه - زيادة في التسلية لرسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم ، أن اختلاف الأمم في شأن ما جاء به الرسل شيء قديم فقال - تعالى - : * ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيه . . ) * . أي : ولقد آتينا نبينا موسى - عليه السلام - كتابه التوراة ليكون هداية ونورا لقومه ، فاختلفوا في شأن هذا الكتاب ، فمنهم من آمن به ، ومنهم من صد عنه . * ( ولَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ) * - أيها الرسول الكريم - وهي ألا يعذب المكذبين من أمتك في الدنيا عذابا يستأصلهم ويهلكهم . لولا ذلك * ( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) * أي : لأهلكهم كما أهلك السابقين من قبلهم . * ( وإِنَّهُمْ ) * أي : كفار قومك * ( لَفِي شَكٍّ مِنْه مُرِيبٍ ) * أي : لفي شك من هذا القرآن وريبة من أمره ، جعلهم يعيشون في قلق واضطراب .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 15 ص 371 .