سيد محمد طنطاوي
346
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الجمل ما ملخصه : قوله : * ( وقَيَّضْنا . . . ) * أي : سببنا وهيأنا وبعثنا لهم قرناء يلازمونهم ويستولون عليهم استيلاء القيض على البيض . والقيض قشر البيض . . والتقييض - أيضا - التيسير والتهيئة ، تقول قيضت لفلان الشيء ، أي : هيأته ويسرته له . . « 1 » . والقرناء : جمع قرين ، وهو الصديق الملازم للشخص الذي لا يكاد يفارقه ، وله تأثير عليه والمراد بما بين أيديهم : شهوات الدنيا وسيئاتها . والمراد بما خلفهم : ما يتعلق بالآخرة من بعث وحساب وثواب وعقاب . والمعنى : إن حكمتنا قد اقتضت أن نهيئ ونسبب لهؤلاء المشركين قرناء سوء ، هؤلاء القرناء يزينون لهم القبيح من أعمال الدنيا التي يعيشون فيها ، كما يزينون لهم إنكار ما يتعلق بما خلفهم من أمور الآخرة ، كتكذيبهم بالبعث والحساب والجزاء . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ومَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَه شَيْطاناً فَهُوَ لَه قَرِينٌ . وإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( وحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ والإِنْسِ . . . ) * بيان لما ترتب على استجابتهم لقرناء السوء ، وانقيادهم لهم انقياد التابع للمتبوع . أي : وثبت عليهم القول الذي قاله - سبحانه - لإبليس ، وتحقق مقتضاه وهو قوله - تعالى - : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ « 3 » . وقوله : * ( فِي أُمَمٍ ) * في محل نصب على الحال من الضمير في * ( عَلَيْهِمُ ) * أي : وثبت عليهم العذاب . حالة كونهم داخلين في جملة أمم كافرة جاحدة ، قد مضت من قبلهم ، وهذه الأمم منها ما هو من الجن ، ومنها ما هو من الإنس . وجملة * ( إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ) * تعليل لاستحقاقهم العذاب . والضمير لكفار قريش ولغيرهم من الأمم السابقة التي هلكت على الكفر . ثم حكى - سبحانه - ما تواصى به المشركون فيما بينهم فقال : * ( وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ والْغَوْا فِيه لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) * .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 39 . ( 2 ) سورة الزخرف الآيتان 36 ، 37 . [ . . . ] ( 3 ) سورة « ص » آية 85 .