سيد محمد طنطاوي

347

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( والْغَوْا فِيه ) * من اللغو ، وهو الكلام الساقط الذي لا فائدة فيه يقال : لغا فلان في كلامه يلغو ، إذا نطق بكلام ساقط لا خير فيه . ويبدو أن هذا الكلام قد قاله الزعماء من كفار مكة لأتباعهم ، فقد ورد عن ابن عباس أنه قال : قال أبو جهل - لأتباعه - : إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه ، حتى لا يدرى ما يقول . أي : وقال زعماء الكفر لأتباعهم : لا تسمعوا لهذا القرآن الذي يقرأه محمد صلَّى اللَّه عليه وسلم وأصحابه ، ولا تنصتوا إليه ، بل ابتعدوا عن قارئيه ، والغوا فيه أي : وأظهروا عند قراءته أصواتكم باللغو من القول ، كالتشويش على القارئ ، والتخليط عليه في قراءته بالتصفيق وبرفع الصوت بالخرافات والهذيان . . * ( لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) * أي : لعلكم بعملكم هذا تتغلبون على المسلمين ، وتجعلونهم ينصرفون عن قراءة القرآن . ولا شك أن قولهم هذا دليل واضح على خوفهم من تأثير القرآن في القلوب ، هذا التأثير الذي حمل كثيرا منهم عند سماعه على الدخول في الإسلام ونبذ الكفر والكافرين . كما يدل على أنهم لعجزهم عن معارضته ، وعن الإتيان بسورة من مثله ، لجئوا إلى تلك الأساليب السخيفة ، لصرف الناس عن سماع القرآن الكريم . وقد رد - سبحانه - على فعلهم هذا بما يناسبه من تهديد فقال : * ( فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً ، ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ) * . أي : فو اللَّه لنجعلن الذين كفروا بهذا القرآن والذين شوشوا على قارئيه بالصياح والاستهزاء ، لنجعلنهم يذوقون العذاب الذي يهينهم ، ويحسون به إحساسا أليما . ولنجزينهم في الآخرة الجزاء المناسب لقبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا . قال الآلوسي : قوله - تعالى - : * ( ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ) * أي : جزاء سيئات أعمالهم التي هي في أنفسها أسوأ ، فأفعل للزيادة المطلقة وقيل : إنه - سبحانه - لا يجازيهم بمحاسن أعمالهم كإغاثة الملهوف ، وصلة الأرحام . وإكرام الضيف . . . لأن هذه الأعمال قد حبطت بسبب كفرهم . . « 1 » . وقال الجمل في حاشيته : وفي هذا تعريض بمن لا يكون عند سماعه لكلام اللَّه خاضعا خاشعا متفكرا متدبرا . وتهديد ووعيد شديد لمن يصدر عنه عند سماعه ما يشوش على القارئ

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 24 ص 119 .