سيد محمد طنطاوي

325

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : هذا القرآن ليس أساطير الأولين - كما زعم الجاحدون الجاهلون - وإنما هو منزل من عند اللَّه - تعالى - صاحب الرحمة العظيمة الدائمة . إذ لفظ « الرحمن » بمعنى عظيم الرحمة ، لأن فعلان صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمته ، أما صيغة فعيل فتستعمل في الصفات الدائمة ككريم ، فكأنه - تعالى - يقول : هذا الكتاب منزل من اللَّه - تعالى - العظيم الرحمة الدائمة . قال بعض العلماء : وإنما خص هذان الوصفان بالذكر ، لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى المحتاجين ، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية ، وعلى كل ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية . فكان أعظم النفع من اللَّه على هذا العالم إنزال القرآن الناشئ عن رحمته ولطفه بخلقه « 1 » . ثم أثنى - سبحانه - على هذا القرآن الذي أنزله بمقتضى رحمته وحكمته فقال : * ( كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُه قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ، بَشِيراً ونَذِيراً ) * . ومعنى : * ( فُصِّلَتْ آياتُه ) * : ميزت في ألفاظها بفواصل ومقاطع ، وميزت في معانيها لاشتمالها على أنواع متعددة من المعاني الحكيمة . وقوله * ( قُرْآناً ) * منصوب على المدح ، أو على الحال من كتاب ، و * ( عَرَبِيًّا ) * صفة للقرآن . وقوله * ( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) * متعلق بفصلت . أي : هذا القرآن منزل من عند اللَّه - تعالى - الذي وسعت رحمته كل شيء ، وهو كتاب فصلت آياته ووضحت وميزت من حيث ألفاظها تفصيلا بليغا ، إذ اشتملت على فواصل ومقاطع فيما بينها ليسهل فهمه وحفظه . وفصلت آياته من حيث معانيها تفصيلا حكيما . إذ بعضها جاء لبيان ذاته وصفاته وأفعاله - تعالى - ، وبعضها اشتمل على ألوان من نعمه التي لا تحصى ، وبعضها جاء بأسمى أنواع الهدايات والآداب والأحكام والقصص والمواعظ ، وبعضها جاء لتبشير المؤمنين بحسن الثواب ، ولإنذار الكافرين بسوء العقاب . وخص - سبحانه - الذين يعلمون بالذكر ، لأنهم هم الذين ينتفعون بما اشتمل عليه هذا الكتاب من تفصيل لآياته شامل لألفاظها ومعانيها .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 28 .