سيد محمد طنطاوي

326

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال صاحب الكشاف : قوله : * ( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) * أي لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربي ، لا يلتبس عليهم شيء منه . فإن قلت : بم يتعلق قوله : * ( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) * ؟ قلت : يجوز أن يتعلق بتنزيل ، أو بفصلت ، أي : تنزيل من اللَّه لأجلهم . أو فصلت آياته لهم . وأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده ، أي : قرآنا عربيا كائنا لقوم عرب لئلا يفرق بين الصلات والصفات . . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) * بيان لموقف الناس من هذا القرآن المنزل من الرحمن الرحيم . والمراد بالأكثر هنا : الكافرون الذين لا ينتفعون بهدايات القرآن الكريم . أي : هذا القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس به من الظلمات إلى النور ، فأعرض أكثرهم عن هداياته لاستحواذ الشيطان عليهم ، فهم لا يسمعون سماع تدبر واتعاظ ، وإنما يسمعون بقلوب قاسية ، وعقول خالية من إدراك معانيه ، ومن الاستجابة له . ونفى - سبحانه - سماعهم له ، مع أنهم كانوا يسمعون من الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم ومن أصحابه ، لأنهم لما سمعوه ولم يؤمنوا به . . صار سماعهم بمنزلة عدمه . ثم حكى - سبحانه - أقوالهم التي تدل على توغلهم في الكفر والعناد فقال : * ( وقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْه ، وفِي آذانِنا وَقْرٌ ، ومِنْ بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ ، فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ ) * ، والأكنة : جمع كنان وهو الغطاء للشيء . و * ( وَقْرٌ ) * الصمم الذي يحول بين الإنسان وبين سماع ما يقال له . والحجاب : من الحجب بمعنى الستر لأنه يمنع المشاهدة ، ومنه قيل للبواب حاجب ، لأنه يمنع من الدخول . أي : وقال الكافرون للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلم على سبيل تيئيسه من إيمانهم : إن قلوبنا قد كستها أغطية متكاثفة جعلتها لا تفقه ما تقوله لنا ، وما تدعونا إليه ، وإن آذاننا فيها صمم يحول بيننا وبين سماع حديثك ، وإن من بيننا ومن بينك حاجزا غليظا يحجب التواصل والتلاقي بيننا وبينك ، وما دام حالنا وحالك كذلك فاعمل ما شئت فيما يتعلق بدينك ، ونحن من جانبنا سنعمل ما شئنا فيما يتعلق بديننا .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 184 .