سيد محمد طنطاوي
31
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الشوكاني : وقوله : * ( وما عَمِلَتْه أَيْدِيهِمْ ) * معطوف على ثمره ، أي : ليأكلوا من ثمره ، ويأكلوا مما عملته أيديهم كالعصير والدبس ونحوهما وكذلك ما غرسوه وحفروه على أن « ما » موصولة ، وقيل : هي نافية ، والمعنى : لم يعملوه بأيديهم ، بل العامل له هو اللَّه . . « 1 » . ثم أثنى - سبحانه - على ذاته بما هو أهل له من ثناء فقال : * ( سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ ، ومِنْ أَنْفُسِهِمْ ، ومِمَّا لا يَعْلَمُونَ ) * . ولفظ : * ( سُبْحانَ ) * اسم مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق بفعل محذوف ، والتقدير : سبحت اللَّه سبحانا : أي : تسبيحا . بمعنى نزهته تنزيها عن كل سوء ، وعظمته تعظيما . و « من » في الآية الكريمة للبيان . أي : ننزه اللَّه - تعالى - تنزيها عن كل سوء . ونعظمه تعظيما لا نهاية له ، فهو - عز وجل - * ( الَّذِي خَلَقَ الأَزْواجَ كُلَّها ) * أي : الأنواع ، والأصناف كلها ذكورا وإناثا . * ( مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ ) * أي : خلق الأصناف كلها التي تنبت في الأرض من حبوب وغيرها . * ( ومِنْ أَنْفُسِهِمْ ) * أي : وخلقها من أنفسهم إذ الذكر من الأنثى ، والأنثى من الذكر . * ( ومِمَّا لا يَعْلَمُونَ ) * أي : وخلق هذه الأصناف كلها من أشياء لا علم لهم بها ، وإنما مرد علمها إليه وحده - تعالى - كما قال - سبحانه - ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ . فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر قدرته - تعالى - وبديع خلقه ، حيث خلق الأصناف كلها ، نرى بعضها نابتا في الأرض ، ونرى بعضها متمثلا في الإنسان المكون من ذكر وأنثى ، وهناك مخلوقات أخرى لا يعلمها إلا اللَّه - تعالى - . وبعد أن بين - سبحانه - مظاهر قدرته عن طريق التأمل في الأرض التي نعيش عليها ، عقب ذلك ببيان مظاهر قدرته عن طريق التأمل في تقلب الليل والنهار ، وتعاقب الشمس والقمر ، فقال - تعالى - : * ( وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْه النَّهارَ . فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ) * . وقوله : * ( نَسْلَخُ ) * من السلخ بمعنى الكشط والإزالة ، يقال : سلخ فلان جلد الشاة ، إذا أزاله عنها . والمراد هنا : إزالة ضوء النهار عن الليل ، ليبقى لليل ظلمته . قال صاحب الكشاف : سلخ جلد الشاة ، إذا كشطه عنها وأزاله . ومنه : سلخ الحية
--> ( 1 ) تفسير فتح القدير ج 4 ص 368 .