سيد محمد طنطاوي
32
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
لخرشائها - أي : لجلدها - فاستعير ذلك لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل ، وملقى ظله « 1 » . أي : ومن البراهين والعلامات الواضحة ، الدالة على وحدانية اللَّه ، وقدرته على إحياء الموتى ، وجود الليل والنهار بهذه الطريقة التي نشاهدها ، حيث ينزع - سبحانه - عن الليل النهار ، فيبقى لليل ظلامه ، ويصير الناس في ليل مظلم ، بعد أن كانوا في نهار مضيء . فمعنى : * ( فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ) * : فإذا هم داخلون في الظلام ، بعد أن كانوا بعيدين عنه . يقال : أظلم القوم . إذا دخلوا في الظلام . وأصبحوا ، إذا دخلوا في وقت الصباح . وقوله - تعالى - : * ( والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ) * بيان لدليل آخر على قدرته - تعالى - وهو معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك : * ( وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ . . . ) * قال الآلوسي ما ملخصه : وقوله : * ( لِمُسْتَقَرٍّ لَها ) * أي لحد معين تنتهي إليه . . شبه بمستقر المسافر إذا انتهى من سيره ، والمستقر عليه اسم مكان ، واللام بمعنى إلى . . ويصح أن يكون اسم زمان ، على أنها تجرى إلى وقت لها لا تتعداه ، وعلى هذا فمستقرها : انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا . . « 2 » . والمعنى : وآية أخرى لهم على قدرتنا ، وهي أن الشمس تجرى إلى مكان معين لا تتعداه ، وإلى زمن محدد لا تتجاوزه ، وهذا المكان وذلك الزمان ، كلاهما لا يعلمه إلا اللَّه - تعالى - . قال بعض العلماء : قوله - تعالى - : * ( والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ) * أي : والشمس تدور حول نفسها ، وكان المظنون أنها ثابتة في موضعها الذي تدور فيه حول نفسها . ولكن عرف أخيرا أنها ليست مستقرة في مكانها ، وإنما هي تجرى فعلا . . تجرى في اتجاه واحد ، في هذا الفضاء الكوني الهائل بسرعة حسبها الفلكيون باثني عشر ميلا في الثانية . واللَّه ربها الخبير بجريانها وبمصيرها يقول : إنها تجرى لمستقر لها ، هذا المستقر الذي ستنتهى إليه لا يعلمه إلا هو - سبحانه - ولا يعلم موعده سواه . وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف لحجم أرضنا هذه ، وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك أو تجرى في الفضاء لا يسندها شيء ، حين نتصور ذلك ، ندرك طرفا من صفة القدرة التي تصرف هذا الوجود عن قوة وعن علم « 3 » .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 16 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 23 ص 12 . ( 3 ) تفسير في ظلال القرآن ج 23 ص 25 .